فريهان سطعان الحسن

لا تنسهم بعد رمضان..

تم نشره في الاثنين 5 آب / أغسطس 2013. 02:00 صباحاً

شعور مختلف ذاك الذي عايشته متطوعة في "تكية أم علي"، أسكب الطعام وأتناوله برفقة محتاجين ومساكين، يعانون صعوبة الحياة وضنك العيش.
مئات من الشيوخ والشباب والأطفال والنساء؛ مواطنون وآخرون ممن تركوا بلادهم بحثاً عن ملجأ وملاذ وجدوهما في الأردن، يتجمهرون أمام التكية التي تطعم ما يزيد على 1200 صائم محتاج يوميا؛ ينتظرون لحظة انطلاق أذان المغرب.
في مسلك كل واحد منهم ربما تدرك ملمح حكاية. منهم من يطلب وجبة إضافية، عله يستدرك ليالي طوالا مرت عليه لم يجد فيها ما يسد رمقه. ومنهم من لا يأكل إلا القليل، ولكأنما شبع وارتوى بهموم وأحزان أطبقت عليه وقد كان يوماً عزيز قوم ولو بالكفاف. وآخرون تكفيهم حبات تمر وجرعة ماء ورؤية أطفالهم يهنأون بوجبة طعام.
راودني شعور بالقلق وأنا أكتب المقال؛ أن يفهم البعض حديثي عن المشاركة في هذا العمل التطوعي من باب الشفقة "المؤقتة" على هذه الفئة، أو لربما محاولة "استعراض" بهذا الإشفاق. لكن الحقيقة أنني أنا من أدين لهؤلاء الذين إن كان قدرهم أو ظرفهم قد أحوجهم، إلا أنهم يظلون يشعروننا كم هم كبار بإنسانيتهم التي تعلمنا الكثير.
فرغم الحرمان الذي يعيشونه، والفقر الذي ربما خبروه سنين طويلة، إلا أن ابتسامة بعضهم كانت حاضرة، كأنهم يصرون على اقتناص كل لحظة فرح لينشروها على عمر بأكمله. درس يشعرك كم تحتاج أنت إلى أن تكون إلى جانب هذه الفئة المستضعفة، بقدر حاجتها إليك.
هذا العطاء المتبادل ما كان ليتحقق لولا ناشطون اجتماعيون يشكل هذا العمل جزءا لا يتجزأ من حياتهم اليومية؛ فلا يتركون مكانا فيه أناس محتاجون إلا وكانوا فيه يشاركونهم أفراحهم وأحزانهم، ويقدمون لهم المساعدات المادية والمعنوية.
هؤلاء لا نملك إلا القول إننا نقدر جهودهم وقد زرعوا أولاً بسمة على وجوه من ذاقوا عذابات السنين ومراراتها، فزرعوا البسمة على وجوهنا نحن جميعاً ولو بالمشاركة في يوم واحد، اكتشفنا فيه ذواتنا، وجمال مجتمعنا.
فالدولة "مقصرة" في تغطية احتياجات محرومين يعيشون بيننا. وذلك يحتم علينا تكثيف جهودنا، أفرادا وجماعات، للوقوف إلى جانب هذه الفئة، وتقديم كل ما نستطيعه، علنا نزرع بسمة على شفتي طفل أو طاعن في العمر.
أن نفكر بغيرنا، ونعتني بهم ونعطيهم ولو القليل من وقتنا، يمنحنا دافعا أكبر في الحياة، وتقديرا للذات، وإحساسا بقيمة الأشياء وأهميتها.. تماماً كما سيؤثر ذلك إيجابيا على مسار المعوزين والمحتاجين، لاسيما وإن شعروا أن في المجتمع الأوسع هناك أهل لهم يفكرون فيهم.
من التقيت بهم حينما تطوعت ربما لن يتذكروني، وسيسيروا في حياتهم التي نأمل جميعاً أن يستبدل فيها الألم بالأمل قريباً. لكنني أنا التي لن أنساهم العمر بأكمله، وقد تعلمت منهم الكثير، واستمددت منهم القوة إذ رأيت في أعينهم كبرياء وعزة نفس لم أرها في أناس قد يملكون الدنيا وما فيها!
لأجلك كما لأجلهم "كن جارا لهم".. ولأجلك كما لأجلهم "لا تنسهم بعد رمضان".

[email protected]

التعليق