محمد برهومة

"الوفاء المزدوج" للدين والحداثة

تم نشره في الجمعة 26 تموز / يوليو 2013. 02:00 صباحاً

تتوقف مهمة تجديد الفكر الديني و"أنسنته" في أحد أهم مجالاتها، على التمييز بين الذاتيّ (الثابت) في الدين وبين العَرَضيّ (الاجتماعيّ والمتغيّر). ويقدّم المفكر الإيراني عبدالكريم سروش أنموذجا جريئا وعميقا في هذا السياق، وهو يقارب موضوع التمييز في الإسلام. وبدون أنْ يلجأ إلى التبرير وليّ أعناق الأمور، يرى سروش أنه لا سبيل إلى إنكار ما في الإسلام من تمييز في الحقوق، إذا قرأنا عدم تساوي حقوق العبد والمولى، والرجل والمرأة، والمسلم وغير المسلم، والتي تعدّ من مسلّمات الفقه الإسلامي. والسؤال هنا: هل عدم التساوي هذا من ذاتيات الإسلام، أم من عَرَضياته؟ ويجيب سروش بأن ذلك بصراحة من عرضيات الإسلام. ولذلك كان يمكن -حسب هذا التعريف- أن يكون على شاكلة أخرى. بل إنّ نظام الحقوق الإسلامي برمته من عرَضيات الإسلام لا من ذاتياته.
وإذ ينبّه سروش إلى أنه ينبغي عدم الخلط بين "مقاصد الشارع" و"سبل الوصول لهذه المقاصد"، فإنه يؤكد أنّ الإنجاز المهم الذي قام به الأنبياء عليهم السلام، أنهم جاؤوا بمعنى ومحور جديدين للحياة، ولم يأتوا بحياة جديدة. قالوا للناس: إذا تاجرتم، وإذا تزوجتم، وإذا حججتم، أو نحرتم، أو صادقتم.. فاجعلوا ذلك كله في سياق معنى جديد، تقومون بكل ما تقومون من أجله: "قل إنّ صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين". أي إنه إذا كان نبي الإسلام قد جاء بأحكام اجتماعية، فقد كان ذلك بالاتكاء على عُرف المجتمع آنذاك، ولأجل فصل النزاعات في الغالب، كما يذكر أبو حامد الغزالي.
إنّ الحديث عن أن الغالبية العظمى (يرى سروش أن نسبتها تصل إلى 99 %) من الأحكام الاجتماعية في الإسلام (مثل الرقيق والإماء، وحقوق الإناث، والفداء والعقوبات، والأشهر الحرم، وتوزيع الغنائم والأخماس..) إمضائية، ولها جذور في المجتمع العربي يومذاك، إنما يعني أن الرسول الكريم أمضى الأعراف التي كانت سائدة في المجتمع العربي الذي عاصره، وأضفى عليها الطابع الشرعي، وأدخلها في سياق الشرع الإسلامي ببعض التغييرات والتعديلات، وما تمّ إيقاف العمل به كان واضحا وصريحا ومعلنا في قصص مشهودة. وكان من استحقاقات ذلك الفوارق في الحقوق الإنسانية (حقوق الرجل والمرأة، والقصاص) التي هي جزء من الظروف التي بُعث فيها النبي. وهي لذلك عَرضية، وليست أبدا من القيم الإنسانية المطلقة السامية. وعليه، يمكن أن تخضع للاجتهادات العصرية، تاركة مكانها لأعراف وقيم وآداب أخرى.
وأتساءل: لماذا استجاب الفقه التقليدي لمسألة تجاوز العصر لفكرة الرق، ولم يستجب لكثير من الأفكار الأخرى؟ هذا يجعل استكمال مسيرة الإصلاح الديني ضرورة أكثر إلحاحا، وتحت شرط "الوفاء المزدوج للدين والحداثة". وهو وفاء يدفع إلى البحث المستمر عن مدلولات النصوص العميقة، كما يقول عبدالمجيد الشرفي، وعن الرهانات الحقيقية التي كانت وراءها، حتى نحتفظ بروحها وبالغايات التي ترمي إليها.
"الوفاء المزدوج" يتطلب عدم انقطاع البحث عن الكيفية التي يكون فيها التديّن حرّا وعقلانيا، وأكثر إنسانية وصدقا ومساواة. وعند هذا الحد يمكن الإسهاب في الحديث عن الدور التنموي للدين، ودوره الجوهري في إرساء قيم إيمانية تحض على المحافظة على البيئة وعدم الإخلال بتوازنها، وعدم الإسراف في الماء والكهرباء، والحث على وضع معيار للأكثر تدينا بأنه الأكثر ذوقا وخيرية وصلاحا للناس وللمجتمع ورغبة في إشاعة الفرح والسرور بينهم، والأكثر انضباطا بالقانون وحرصا على الوقت.. ما يجعل المسافة بين الأكثر حداثة والأكثر تدينا قصيرة، وربما لا نعود بحاجة إلى إجراء المقارنة أو التقسيم بالأساس.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اللؤلؤة و الصدفة (يوسف العواد)

    الخميس 25 تموز / يوليو 2013.
    آن الاوان لطرح خطاب وفكر ديني تنويري يُفرق ما بين النص المقدس وفهم النص المقدس .النص المقدس مقدس لانه وحي من الله سبحانه وتعالى ،ولكن فهم النص المقدس ليس مقدسا لانه من البشر يحتمل الصواب والخطأ.من هنا فأن التراث بحاجة الى غربله ودراسة من قبل العلماء حتى نميز الذاتي من العرضي ،فالتركيز على اللؤلؤة افضل من التركيز على الصدفة التي تحيط بها