إبراهيم غرايبة

علاقات اجتماعية مثل الرمال المتحركة

تم نشره في الجمعة 28 حزيران / يونيو 2013. 02:00 صباحاً

ثمة زوال وتغير لكثير في حياتنا، يتبعه انهيار في العلاقات الاجتماعية والتواصلية. ويجعلنا ذلك نتساءل: هل العلاقة الاجتماعية؛ الصداقة والزمالة والتواصل الاجتماعي والحياة اليومية المشتركة، مسألة تخلو من العواطف والمشاعر والذكريات؟ هل هي قابلة للتشكل والزوال حسب حياتنا اليومية وتغيراتها؟ رفاق الحي والبلدة الأصلية والعمل والأقارب والجيران والزملاء، هل العلاقة بينهم أصيلة وثابتة، أم هي متصلة بالظرف الذي أنشأها، وتزول، بطبيعة الحال، مع تغير أو زوال سببها؟
يبدو ذلك اليوم في حياتنا الاجتماعية سائدا ومتقبلا ومتواطَأ عليه، وفي الوقت نفسه ننتقده. نمارس النقد وكأننا نبرئ أنفسنا أو نريحها من عناء الضمير والشعور بالخطأ، لكننا غير مستعدين لتجاوز حقيقة أن العلاقات تزول بزوال مصدرها أو سببها.
أتذكر الآن، وأذكّر نفسي، بأنني أمارس ما انتقده، وأنني فقدت صداقة الكثيرين ممن كانت تربطني بهم أعمال ومصالح مشتركة، ولم أعد أتذكرهم. الشباب والصبايا الذين كانوا يطبعون مقالاتي، ثم أجلس بجانبهم نصحح المقالات، ونتحاور ونتجادل حولها؛ فلم يعد الصف والطباعة عملا تفرِّغ له المؤسسات أحد، ويكاد يكون جميع الكتاب والباحثين يطبعون مقالاتهم بأنفسهم. والشباب المترجمون الذين كنت ألجأ إليهم قبل "غوغل"، وفنيو وأصحاب ماكينات التصوير الذين كنت أستعين بهم لتصوير الأوراق والكتب، وأصحاب الهواتف في المحلات التجارية الذين كنت ألجأ إليهم للاتصالات الهاتفية، وبائع السولار الذي كان يزودنا بالسولار، وفني الكمبيوتر الذي كان يزورني بانتظام، وفني الفاكس الذي كان يأتي إليّ كل شهر ويزودني بورق الفاكس الخاص والمختلف عن الورق العادي، والبائع الدوار الذي كان يضع دكانه على ظهر حماره، ويطوف القرى والبيوت، يبيع الأشياء ويحضّر أشياء أخرى كنا نوصيه بإحضارها، وينقل الأخبار ويزودنا بها، ومصلح بابور الكاز ومبيض النحاس، والصنائعي الذي يُركّب أسنان الذهب ويصلح الأدوات ويصقل السكاكين والفؤوس، وصاحب الكور الجميل المدهش، وكنت أشعر بسعادة عظيمة عندما نحتاج لإصلاح قطعة عند الحداد.. لم أعد أتذكر هؤلاء وغيرهم كثير، ولا أعرف الآن عنهم شيئا ولا عن أسرهم وأحلامهم التي كانوا يحدثونني عنها. نسيت حتى أسماءهم. ربما يكونون فقدوا وظائفهم؛ وجدوا غيرها أو تعثروا في سلوك مهني وحرفي بديل!
لم تتغير علاقاتنا فقط، وإنما تغيرت حياتهم، كأنهم انقرضوا حتى وهم باقون في الحياة، وفي أعمال أخرى. حتى عندما نعيد تأهيل أنفسنا وحياتنا، وننجح في ذلك، فإننا لا ننجح في الاحتفاظ بعلاقاتنا وصداقاتنا وروابطنا. وحتى عندما نحاول المحافظة عليها وإدامتها، فليس ذلك أمرا تلقائيا؛ فأنت لست قادرا على التواصل بالأفكار والأسلوب الذي كان ممتعا ومتقبلا بالنسبة إليك. يجب أن يتغير الناس جميعا بنفس السرعة والإيقاع؛ وإذا اختلفت سرعاتهم في التحول، فإنهم غير قادرين على التواصل حتى لو استمروا في التلاقي والعمل معا.
والحال أن الإنسان في الأصل وحيد، جاء إلى الدنيا وحده، ويموت وحده، فلماذا لا يعيش وحده؟

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »:( أحسستنا بالوحدة (هيثم الشيشاني)

    الجمعة 28 حزيران / يونيو 2013.
    أحسستني/ا بالوحدة!

    أو للدقة، ذكرتنا بها!
  • »الإنسان وحيد حقّا! (سعد عناب)

    الجمعة 28 حزيران / يونيو 2013.
    نعم لقد تغير كل شيء ،العلاقات محكومة بالظروف وليست أصيلة وهذا ما تأكدت منه في مراحل عمري ،ولمزيد من اليقين فلينظر أحدنا كم بقي من أصدقائه ومعارفه حوله بعد حياة عملية زاخرة بالعطاء ؟ وقد يجد نفسه في نهايات العمر محتاجا إلى كلمة مواساة فلا يجدها؛ لأن كل واحد مشغول بنفسه وأسرته ...لا شيء يخيف الإنسان أكثر من أن يُردّ إلى أرذل العمر ولا يجد من يؤنسه ...إنّها رحلة شقاء ،ولو خُيّر الإنسان لما اختار المجيء إلى هذه الدنيا ...تحياتي لك أستاذ إبراهيم.
  • »بلا موضوع (wafaa .dames)

    الخميس 27 حزيران / يونيو 2013.
    العلاقات الاجتماعية الناجحة دليل الصحة النفسية لكن هذه المقولة ظهرت قبل سنوات او تحديدا في القرن الماضي ..تغيرت الحياة الان فأنا ارى قلة العلاقات الاجتماعية شيء طبيعي خصوصا مع تغير نوعية البشر عبر السنين .فقلة الاختلاط افضل .