د.أحمد جميل عزم

الإسرائيليون وفلسطين وحسن روحاني

تم نشره في الثلاثاء 18 حزيران / يونيو 2013. 02:00 صباحاً

ليس صحيحاً أنّ فوز حسن روحاني في انتخابات الرئاسة الإيرانية لا معنى له، كما يدّعي الإسرائيليون؛ سنتوقع على الأقل تغييرا من حيث الخطاب الإيراني، وسيُحرم رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، من خدمات جليلة كان يستنبطها من خطاب الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، الشعبوي الدعائي.
طالب نتنياهو العالم أن لا "يضلل" نفسه، وأن لا يسقط في "التفكير الرغائبي"، خصوصاً بشأن مستقبل المشروع النووي الإيراني، وأن يتذكر أنّ الحاكم الفعلي في إيران هو المرشد الأعلى علي خامنئي.
عندما وصل نجاد إلى الرئاسة في إيران العام 2005، فاجأنا سجل خبراته المتواضع: مهندسٌ، وأستاذ مدرسة، ورئيس بلدية طهران لمدة عامين، ولا شيء آخر كبيرا. في رئاسته الأولى، كان يظهر طيّعاً مُطيعاً للمرشد الأعلى، ولمراكز قوى اعتقدتْ أنّه يوفر لها الواجهة المطلوبة. هو كان سعيدا بدور "الواجهة"، إلا أنّه في ولايته الثانية (وإن بدأ هذا منذ الولاية الأولى)، بدأ يعتقد ويركز على دوره واجهة للإمام الغائب، بحسب المعتقد الشيعي. وبالتالي، بات يعتمد بشكل متزايد على صورة "ثيوقراطية" لحكمه، تستند إلى شرعية دينية، جعلته يشعر بقوة تؤهله للوقوف والاختلاف حتى مع "الولي الفقيه" (خامنئي)، وأن يضع نفسه في سياق عملية الاستعداد لعودة الإمام. وبما أنّ المصدر الثاني للشرعية في المنطقة، بعد الشرعية الدينية، هو العداء لإسرائيل (العداء في الخطاب والدعاية)، فقد خصص وقتاً كبيراً لإثارة ملفات من نوع المحرقة النازية (الهولوكوست) والتشكيك فيها، والحديث عن الصهيونية. ووفرّ هذا لنتنياهو مادة زخمة للحديث عن الخطر الإيراني النووي والسياسي، فتحولت "الهولوكوست" وإنكارها إلى سلاح بيد الصهيونية العالمية.
في المقابل، يأتي روحاني من واقع خبرة كبيرة مناسبة لمرشح رئاسي: رجل دين (مجتهد)؛ عضو مجلس الخبراء الإيراني، وعضو مجلس تشخيص مصلحة النظام، وأمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، ورئيس مركز البحوث الاستراتيجي، ورئيس مجلس الشورى الإيراني مرتين (ستة أعوام)، ورئيس سابق لفريق المفاوضات الإيراني حول المشروع النووي. وهو يحمل عدة شهادات أكاديمية إحداها من بريطانيا. نتحدث، إذن، عن شخص لديه الخبرة والاطّلاع على العالم، ما قد يسم خطابه بواقعية وهدوء وعملية. أضف إلى ذلك أنّ فوزه من الجولة الأولى مقابل مجموعة مرشحين متشددين أقرب إلى المرشد الأعلى الإيراني، مفاجئ؛ إذ كان يُعتقد أن جولة ثانية للانتخابات ستحدث، وهذا يعني أنّ روحاني مسلح بقوة دعم شعبي كبيرة، تعطيه ميزة في وجه خصومه الداخليين، وتقوي موقفه إزاء المرشد الأعلى الذي فقد كثيرا من مكانته الدينية في السنوات الماضية. وقد كان روحاني قياديّا في التصدي لسياسات نجاد، ويريد إشاعة الحريات الشخصية، ومعالجة شؤون الاقتصاد والسياسة "بحكمة واعتدال" كما قال أثناء حملته الانتخابية.
هذا كلّه يعني أنّ الخطاب الإيراني (خطاب الرئيس) سيكون أكثر اعتدالا وواقعية. والمفارقة أنّ رجلا "معتمرا عمّة" قد يكون أكثر اعتدالا في خطابه الديني والاجتماعي من مهندس وأستاذ مدرسة. ولكن هذا لا يعني بالتأكيد تغيرا جذريا في السياسات الخارجية الإيرانية؛ ليس لأنّ القرار لا يصنع في إيران على يد الرئيس وحده، وإنما معه شركاء أقوياء أهمهم المرشد الأعلى والحرس الثوري ومنظومة من مراكز القوى، بل لأنّ هناك واقعا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ضاغطا له الأولوية. ولكن في الشأن الإسرائيلي، فإنّ المهم تذكر أنّ سياسات إيران (خصوصا زمن نجاد) تقوم إلى حد كبير على الدعاية والإعلام، وهذا ما قد يتراجع كثيراً، بدون أن يعني هذا تراجع دعم قوى مثل حزب الله. وقد يسمح الخطاب المعتدل للرئيس الجديد بعودة التقارب (أو منع مزيد من التباعد) مع قوى مثل "حماس".
إذا كان تغير السياسات الإيرانية أمرا رهن الانتظار، خصوصا لجهة معرفة نتيجة تجاذبات الساحة الداخلية الإيرانية، فإنّ تغير الخطاب أمر له نتائجه على الشارع وفي الساحات الدبلوماسية. ليس هامشيّاً أن يصبح الشارع العربي أكثر واقعية في توقعاته من إيران، وبالتالي استمرار تراجع خطاب "استيراد وتصدير" الثورة الإيرانية، المتراجع أصلاً. كذلك، واقعية الخطاب الإيراني، والانكفاء لعلاج أزمات الاقتصاد والمجتمع الإيرانيين، سيقللان إفادة الإسرائيليين من شعبوية و"بروباغندا" كالتي قدمها أمثال نجاد.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هل للأمريكان ضلع بأنتخاب حسن الروحاني ؟ (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الثلاثاء 18 حزيران / يونيو 2013.
    احذروا يا ايرانيون .أنا أخاف أن يكون لحكومة واشنطن باعا في فوز الرئيس حسن الروحاني .نعرف عنه فيما بعد . فخلال السنوات العشر الاخيرة كان هنالك شبه غرام ، ولكن على البارد ببين حكومة واشنطن ، وحكومة طهران .فبعد انتصار مصدق في بداية الخمسينات . اعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية أولبرايت أن المخابرات الأمريكية هي التي اعادت الشاه ,بعد أن اسقطت حكومة مصدق
  • »وجهان لعملة واحدة (أبو أنيس القروي)

    الثلاثاء 18 حزيران / يونيو 2013.
    قد تشعر بعض أنظمة الحكم العربية ، ومن وراءها بعض الشعوب العربية بالارتياح لانتخاب رئيس إيراني جديد يسمى معتدل بالمفهوم السياسي لدى أنظمة الحكم .... ولكن قد تغفل أو تجهل أو تتجاهل كثير من تلك الأنظمة وتلك الشعوب ، أن انتخاب الرئيس الإيراني الجديد لا يعني حدوث تغير جذري في السياسة الإيرانية قد يصل إلى 150 درجة من أصل 360 درجة على سبيل المثال .... فالرئيس الإيراني الجديد لا يمثل سوى وجه لعملة واحدة ، وان الرئيس الإيراني الجديد لا يمثل سوى منصب رئيس وزراء لدى بعض أنظمة الحكم .... أي يجب على الرئيس الإيراني الجديد أن يعود إلى أصحاب العمائم السوداء في كل من قم وطهران قبل اتخاذ أي قرار ، وخاصة فيما يتعلق بالشؤون الدولية والإقليمية ، ومنها ما يتعلق بالتدخلات الإيرانية في شؤون الشعوب العربية ، وأنظمة الحكم في المنطقة العربية .... ولا يعني أن موافقة ومباركة الرئيس الإيراني الجديد من قبل أصحاب العمائم السوداء في إيران قد يعني حدوث تغيرات جذرية في السياسة الإيرانية الدولية والإقليمية بقدر ما هي سياسة تقوم على محاولة حمل العصا من الوسط ، أو إتباع سياسة الشد والجذب من قبل القطبين ، أي ما بين أصحاب العمائم السوداء ومجلس الشورى من جهة ، والرئيس الإيراني الجديد من جهة أخرى .... حيث أن تعيين الرئيس الإيراني الجديد بالطبع سوف لا يخدم إلا مصالح إيران بالدرجة الأولى ، ومصالح الشعب الإيراني ، بالإضافة إلى تجنب لأي محاولة تمرد أو ثورة أو ما يسمى بالربيع الإيراني ضد أصحاب العمائم السوداء من قبل المعارضة الإيرانية بكافة صورها وأشكالها .... فتعيين الرئيس الإيراني الجديد جاء بعد ضغوط الشارع في إيران نتيجة لتأثير العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران كمحاولة ضغط دولية لإعادة النظر في المشروع النووي الإيراني .... ورغم ذلك فلن تستسلم إيران في المضي قدما في مشروعها النووي ، ولن تتنازل عن مصالحها بتلك السهولة في المنطقة العربية ، وخاصة في كل من سوريا والعراق ولبنان ..... أما فيما يتعلق بالعدو الصهيوني فلا شك أن موقف الرئيس الإيراني الجديد من العدو الصهيوني مرتبط بدرجة تحقيق المصالح الإيرانية ، ومن ضمنها محاولة إيجاد حل للمشروع النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الدولية المفروضة على إيران ، وكذلك محاولة الحفاظ على مصالح إيران الحيوية في المنطقة العربية .... أي أن الموضوع لن يكون في أحسن الأحوال ما بين إيران من جهة ، وما بين الغرب من جهة أخرى بما في ذلك العدو الصهيوني ، لن يكون سوى استراحة محارب طالما هناك دعم مباشر وغير مباشر من قبل كل من روسيا والصين وكوريا في استمرار دعم مشروع إيران النووي الذي يعتبر ويشكل ورقة ضغط ثلاثية الأبعاد على كل من دول الغرب ، والعدو الصهيوني ، وأنظمة الحكم العربية بنفس الوقت ، مقابل تحقيق المصالح الإيرانية في المنطقة العربية ، وعلى حساب الشعوب العربية بالطبع.