إبراهيم غرايبة

إدراك المعرفة والكذب وما لا يقال

تم نشره في الأربعاء 29 أيار / مايو 2013. 02:00 صباحاً

"ومهما تكن عند امرئ من خليقة
وإن خالها تخفى على الناس تعلم"
(زهير بن أبي سلمى).
تمثل اللغة المكتوبة والمنطوقة 7 % فقط من مصادر المعرفة. فمعظم معرفتنا ومواقفنا تتشكل من مجموعة معقدة من المصادر الصامتة؛ التأمل والتفكير، ولغة الجسد وإشاراته، وما تقدمه المشاهد الحية والمصورة للإنسان من أفكار ومعارف ليست مقصودة أو يراد لها ألا تُعرف. وأظن أن من يملك سؤالا، أي سؤال، يملك إجابته الصحيحة. وهذا بالطبع ليس أمرا جديدا أضيفه إلى القارئ، وهو أيضا (كشف المخفي ومعرفة ما لا يقال) يقترب من أن يكون فنا وعلما يمكن تعلمه وتطبيقه؛ فالتحقيق الجنائي، والبحث العلمي، والتحري بعامة، تقود إلى معرفة كثير من الأسرار، والتمييز بين الكذب والصدق.
ويُروى، على سبيل الفكاهة، عن صيني دخل إلى كهف وصرخ ليستمتع بالصدى. صرخ بلغته الصينية: "وان تنغ شن.."، فجاء الصدى من عمق الكهف: "يا أخي أعد، مش فاهم عليك"! وأظنها قصة تعكس فلسفة عميقة وجميلة في الحياة، ملخصها أن الصدى مستقل عن الصوت. وهذا أيضا جوهر فكرة العقلانية في فهم النصوص الدينية، والفكرة –ببساطة- هي أن القول يستقل عن القائل. فالقول حين يحل في لغة الناس، يفهمه الناس وينزّلونه ويؤولونه وفق اللغة التي يفهمون بها، ووفق قواعدها وأفقها في التأويل والفهم والمجاز وحدود الكلمات، وما يمكن أن تقدمه من معنى.
اللغة أوسع من الكلمات بكثير.. أين نُدرج الموسيقى والفنون والتعبير الأدائي، ونظرات العيون والابتسامة والأحلام؟
وحين يتحدث اثنان في موضوع؛ صديقان، أو موظف ومراجع، أو مندوب مبيعات وزبون، يبتسم أحدهما، فيفهم الآخر تلقائيا أنه يكذب، أو أنه لا يصدقه، أو لا يحترمه.
والحال أنه ليس ثمة إناء مغلق بإحكام تماما؛ إذ كل الأواني المغلقة يتسرب منها ما يدلك عليها، فتستطيع أن تعرف/ تخمن ما يوجد في كل إناء مهما بدا مغلقا. وليس ثمة جدار مصمت؛ في كل جدار ثقوب وثغرات يمكن النفاذ منها. وليس ثمة كرة؛ جميع الكرات يمكن تحويلها إلى لوح منشور، وإن بقيت كرة مغلقة على أسرارها. ليست هذه المشكلة!
المشكلة في الأواني الزاهية البراقة، ولكنها مليئة بالطاقة السلبية والحسد والأذى.. والخواء، ولا تعلم أن محتوياتها تتسرب وتفيض حولها وفي الفضاء! وتحسب أنها توزع الحكمة والمسك! ماذا تفعل مع أشخاص يعتقدون أنك تراهم أصدقاءك، وأنت تحزن بلقياهم وتسعد بغيابهم؛ ويعتقدون أنك تعتقد أنهم يفهمون، وأنت تراهم "مش فاهمين حاجة"؛ ويعتقدون أنك تعتقد أنهم محترمون، وأنت تراهم تافهين؟! يا إلهي لا تمنحني طاقية الإخفاء، فإنها لعنة؛ إذ ما أسوأ أن ترى/ تسمع/ تدرك ما يظن الناس أنك تجهله!

[email protected]

التعليق