الفايز: مأسسة دور العشيرة تحت عباءة القانون أداة إصلاحية تخدم مسيرة الإصلاحات الشاملة

تم نشره في الخميس 23 أيار / مايو 2013. 02:00 صباحاً

* رئيس الوزراء الأسبق يدعو الدولة في حوار مع "الغد" إلى أن "تحمر عينها" على كل من يخترق القانون

عمان- يدفع رئيس الوزراء الأسبق فيصل الفايز إلى فكرة إنتاج ميثاق شرف عشائري، يدعو إلى مأسسة دور العشيرة، ويحث أبناءها على الالتزام بأحكام القانون. وهو يعتبر ذلك أداة إصلاحية اجتماعية، تخدم مسيرة الإصلاحات الشاملة.
الفايز، الذي يرفض المس بالعشيرة، يعتبرها مؤسسة راسخة في التاريخ والحاضر والمستقبل الأردني، وأكد "علينا تعظيم المنفعة من حضورها الإيجابي، لا كيل الاتهامات لها، عبر صيغ التعميم، التي يُطلقها البعض، ويريدون بذلك تحميل العشيرة كل سلبيات الأوضاع الراهنة".
رئيس مجلس النواب الأسبق يرى في حوار مع "الغد" بعد عودته من اجتماع عشائري، دعا إليه النائب المهندس عاطف الطراونة في قرية أم حماط في محافظة الكرك، وحضره أكثر من 3000 من شيوخ ووجهاء محافظات الجنوب والباديتين الوسطى والجنوبية الأسبوع الماضي، بأن الأهم من كل ذلك؛ أن "تحمر الدولة عينها"، على كل من يخترق القانون، قاصدا ومتعمدا المس بهيبة الدولة، مضيفا "على الأجهزة التنفيذية أن تتحمل مسؤوليتها في وقف هذا كله؛ وفورا".
لكن الفايز يستدرك بالقول إن السكان بالبوادي والقرى البعيدة يشعرون بأنهم بعيدون عن برامج التنمية، ومعزولون في مواقعهم، وعلى الحكومات أن تدرك بأن هؤلاء الشباب يعيشون حالة احتقان غير مسبوقة نتيجة أوضاع مناطقهم الاقتصادية.
ودعا الحكومات للاعتراف بأن هؤلاء الشباب، ومنذ زمن بعيد، يعيشون ظروفا صعبة، فـ"الفقر والبطالة شبح يطارد أحلامهم، وعلينا جميعا أن نبادر بمسؤولية لتحقيق مطالبهم العادلة بحياة آمنة كريمة بعد تطبيق برامج تنموية واقعية".
وعن مبادرة الطراونة في عقد الاجتماع العشائري، تمنى الفايز أن تنجح المبادرة في صياغة أفكار عملية، للتعامل مع ظاهرة العنف المجتمعي، من خلال تطبيق القانون على الجميع، وردع العابثين بالأمن والسلم الاجتماعي، لأن إعادة الاعتبار لدور مؤسسة العشيرة وتقوية جبهاتها الأصيلة، سيعيننا على التعامل مع التحديات الكثيرة التي تواجهنا.
وبدد الفايز مخاوف البعض من أن تكون المبادرة قد صيغت من وحي أفكار تمس الوحدة الوطنية، وأكد أن المبادرة "موجهة لأبناء العشائر من مختلف الأصول والمنابت، وفي مناطقهم كافة"، مشددا على ضرورة أن تتوجه المبادرة إلى المخيمات أيضا وحشد مؤيدين لها، لأن "العنف يهددنا جميعا"، سواء في القرية أو البادية أو المدينة أو المخيم.
وأشار الفايز إلى ضرورة تعظيم الفائدة من وحدتنا الوطنية الجامعة، من خلال تكريس قيم العدالة والمساواة بين الأردنيين، والعمل الجاد على توجيه التنمية نحو الأطراف، ومعالجة تدريجية وعلمية لظاهرتي الفقر والبطالة، مضيفا "بعد ضمان تكريس مبدأ العدالة الاجتماعية والاقتصادية، علينا أن نكرس معادلة الحقوق والواجبات الدستورية".
وفي الشأن السوري، تمنى الفايز أن ينجح مؤتمر جنيف الثاني، وأن يُسفر عن ولادة حل سياسي، يضمن الانتقال السلمي للسلطة ويحفظ استمرارية المؤسسات، ويكفي المنطقة شر تقسيم سورية إلى دويلات، ويحفظنا من شبح الإرهاب، "الذي سيجد في الفوضى السورية بيئة خصبة لتنظيم نفسه، وتوجيه ضرباته لدول الجوار"، وقال إن "الفوضى في سورية ستكون كالعدوى التي قد تنتقل من مكان لآخر، وبحسب المناعة الأمنية لدول الجوار".
واعتبر الموقف الدبلوماسي والسياسي الأردني، الذي يقوده جلالة الملك؛ هو "موقف ثابت" من أول الأزمة السورية حتى اليوم، فـ"نحن منذ أول خروج مظاهرات درعا المطالبة بالإصلاحات والحريات، ونحن ندعو النظام السوري للحوار مع المحتجين والسعي لتحقيق الإصلاحات المطلوبة".
وبين الفايز أن الثبات على الموقف الأردني يهدف لحفظ دماء السوريين، وحفظ سورية من التقسيم، ويعتقد أن موقفنا الثابت هذا؛ يحرج دولا كثيرة، ويكشف أجندات تريد العبث بسورية ووحدة أراضيها ودماء شعبها.
وأعرب الفايز عن خشيته من أن تنجر دول إلى الحل العسكري، معتبرا ذلك "الخيار الكارثي" على المنطقة، ولن يكون باستطاعتنا بعد ذلك ملاحقة التطورات واستيعابها.
على المستوى المحلي دعا الفايز إلى ضرورة ترتيب أوراقنا الداخلية، وترتيب أولوياتنا محليا، والتحوط بخطط وبرامج طوارئ، كما علينا إيلاء الجانب الاقتصادي الأولوية والمركزية، دون أن نخفف من سرعة وتيرة الإصلاح السياسي المتدرج.
وفيما يلي نص الحوار:

• لنبدأ من مشاركتكم قبل أيام في اجتماع عشائري، دعا له النائب عاطف الطراونة لوجهاء وشيوخ ونواب وأعيان محافظات الجنوب والباديتين الوسطى والجنوبية، ما رأيك بالاجتماع وهل ثمة مخرجات يمكن أن ترمم صورة العشائرية؟
- بداية، لا يستطيع أحد تشويه صورة العشائرية، وعلينا أن نعترف بأن العشيرة ما تزال مرجعية اجتماعية محترمة، ولها تأثيرها في مجتمعاتنا.
لكن إذا أردت أن تقول عن فئة قليلة من الأوساط العشائرية، تتبع مسلكيات خارجة على العادات والتقاليد الحميدة، ويخرجون فيها على القانون، فقد أوافقك الرأي بذلك.
وقلتها سابقا، وأعيد تكرارها اليوم، أن مؤسسة العشيرة هي مؤسسة راسخة في التاريخ والحاضر والمستقبل الأردني، وعلينا تعظيم المنفعة من حضورها ووجودها الإيجابي، لا كيل الاتهامات لها، عبر صيغ التعميم التي يُطلقها البعض بين فترة وأخرى، ويريدون أن يحملوا العشيرة سلبيات الأوضاع الراهنة.
لا يمكن لعاقل أن يهدم بناء مؤسسيا عمره آلاف السنين، وهنا أسأل؛ ما الفائدة من تشويه صورة العشيرة؟ وما القيمة المضافة من تصوير المجتمعات العشائرية بأنها مجتمعات معزولة؟ أليس أصل هذه البلاد، وأهم أعمدتها العشائر والقبائل الأردنية؟!
ثم أليس سند الوطن وذخيرته من الرجال والنساء، الذين نعتبرهم كفاءات وطنية، أليسوا من أبناء العشائر؟ لكن علينا أن ننتبه لهذه المواقف الارتجالية، التي تصدر عن البعض، ويريدون منها إلصاق أسباب ظاهرة العنف المجتمعي والجامعي بمؤسسة العشيرة.
علينا أن نتذكر ونعي جيدا، أن مؤسسة العشيرة هي مؤسسة منظمة، وتركت أثرا طيبا في المجتمعات. ونحن ندين لهذه المؤسسة بأصول التربية الحميدة، والأخلاقيات السامية والعادات الإيجابية.
انتماؤنا لمؤسسات عشائرية ترك في نفوسنا وقارا، وحرصا بأن لا نرتكب أي خطأ احتراما لسمعة قبائلنا.
صحيح أن هناك أخطاء كثيرة، يرتكبها أبناء عشائر وقبائل، لكن هل السلوك الخاطئ والحكم باستعجال على سائر أفراد القبائل هو أمر صحيح؟ الجواب قطعا لا.
ولنكن منصفين أكثر، فلو أردت التسليم بجزئية أن العنف مصدره أبناء العشائر والقبائل، فعلينا أن نسأل لماذا؟
فالسكان بالبوادي والقرى البعيدة يشعرون بأنهم بعيدون عن برامج التنمية، ومعزولون في مواقعهم، وعلى الحكومات أن تدرك أن هؤلاء الشباب يعيشون حالة احتقان غير مسبوقة، تزيد هذه الحالة سخونة، أوضاع البلاد الاقتصادية والمعيشية، فنحن، إذا اعترفنا بدقة الظرف الاقتصادي الذي نعيشه الآن كمملكة، علينا أن ندرك جيدا أن هؤلاء الشباب ومنذ زمن بعيد يعيشون ظروفا اقتصادية معيشية صعبة، فالفقر والبطالة شبح يطارد أحلامهم، وعلينا جميعا أن نبادر بمسؤولية لتحقيق مطالبهم العادلة بحياة آمنة كريمة.
• بتقييمك هل نجح اجتماع الكرك؟
- الدعوة مبادرة مسؤولة من المهندس عاطف الطراونة، وأقدر عاليا الحضور من وجهاء وشيوخ ونواب وأعيان وأكاديميي المناطق الجنوبية، فالحضور مؤشر مهم على رغبة هؤلاء جميعا في تقديم حلول عملية لظاهرة العنف المجتمعي.
وأقدر عاليا روح المسؤولية لديهم، وكم أتمنى أن نتشارك في صياغة أفكار عملية، للتعامل مع ظاهرة العنف المجتمعي، من خلال تطبيق القانون على الجميع، وردع العابثين بالأمن والسلم الاجتماعي، كما أننا معنيون بإعادة الاعتبار لدور مؤسسة العشيرة وتقوية جبهاتها الأصيلة، للتعامل مع التحديات الكثيرة التي تواجهنا.
ثم أن التأسيس لميثاق شرف اجتماعي، يضع آليات للتعامل مع الظواهر الجديدة والمنفلتة في مجتمعاتنا، هو أمر جاء في وقته، وأتمنى أن يصاغ هذا الميثاق كمرجعية اجتماعية نتشارك في صياغتها نحن الأردنيين، من كل القرى والبوادي والمدن، ونضغط باتجاه تبنيه واعتماده من الجهات المعنية.
إن تجاهلنا للأمر يعني تركه مفتوحا على المجهول، لذلك نستحث همة كل المخلصين للمشاركة في أي جهد وطني، يعيد الاعتبار للمؤسسات الاجتماعية الرائدة.
• ألا ترى أن الحديث عن العشيرة يمس مخاوف البعض على الوحدة الوطنية، ويخدم مصالح البعض في الغمز من قناة الفتن المجتمعية؟
- هناك من يتخوف، وهناك من يستغل مثل هذا الحديث، من أجل خلق أجواء فتنة، لكن على المبادرة التي انطلقت السبت الماضي أن تجلس مع الجميع، وتُشارك الجميع في صياغة ميثاقها وعقدها الاجتماعي.
ثم أنت تتحدث عن الأردنيين من أصول فلسطينية، أليسوا هم أبناء عشائر وقبائل أيضا؟ هنا يجب أن تتوقف مخاوفنا من الفتنة المُنتظرة من مأسسة دور العشيرة في الأردن.
لكن على المبادرة، مثلما اجتمعت في المحافظات، أن تجتمع في المخيمات أيضا، لأن العنف يهددنا جميعا، سواء في القرية أو البادية أو المدينة أو المخيم.
ومن هنا تبرز أهمية الحوار الشامل على الميثاق، وتبنيه من قبل الأردنيين من شتى الأصول والمنابت. وجلالة الملك هو الحافظ للهوية الأردنية الجامعة وهو الضامن والحامي لها من أي تعدي أو انتهاك.
نحن الأردنيين جسدنا مفهوم الوحدة والتوحد، ولنا ميزة في هذا المجال، حيث أننا نتميز على سائر شعوب المنطقة والإقليم والعالم، فنحن نعيش في وطن واحد، لا فرق فيه بين أُردنية من هم من أصول فلسطينية أو شركسية أو شامية، ولا فرق فيه بين أُردنية مسلم أو مسيحي، ولا فرق فيه بين أُردنية أبناء البادية أو المدينة أو القرية أو المخيم، فكلنا توحدنا في الوطن منذ عهد تأسيس الإمارة.
• لكن هناك فروق جوهرية بين هؤلاء جميعا، عند توزيع مكتسبات التنمية؟
- هذا مربط الفرس، علينا أن نستفيد من الفرصة الكبيرة لوحدتنا الموضوعية في المملكة، ولا يمكن الاستفادة من هذه الفرصة إلا من خلال تكريس قيم العدالة والمساواة بين الأردنيين، والعمل الجاد على توجيه التنمية نحو الأطراف، ومعالجة تدريجية وعلمية لظاهرتي الفقر والبطالة، وبعد ضمان تكريس مبدأ العدالة الاجتماعية والاقتصادية، علينا أن نكرس معادلة الحقوق والواجبات الدستورية.
وبغير ذلك، نكون نضيع الفرص من أمامنا، وأرجو أن لا يفهم أحد أن هناك تهميشا مقصودا لفئة، أو عزلا متعمدا لجهة، لكن هناك أخطاء متراكمة، تتحمل مسؤوليتها الحكومات، عبر تباطؤها في تنفيذ برامج التنمية المستدامة والمُوزعة بعدالة.
لذلك فإن جلالة الملك عبدالله الثاني، ومنذ توليه سلطاته الدستورية، وهو يدعو الحكومات لفكرة توجيه التنمية نحو الأطراف، وتوزيع مكتسبات التنمية بعدالة. ومع كل إخفاقات الحكومات، قام جلالته أخيرا بتأسيس صندوق تنمية المحافظات، وقريبا سنرى جميعا آثار هذا الصندوق على الأرض من خلال استحداثه لمشاريع إنتاجية، تسهم في تنمية المجتمعات المحلية في سائر محافظات ومناطق المملكة.
لكن علينا أن ندرك جميعا، أن هذا الجهد لن تنضج ثماره بيوم وليلة، بل يحتاج لفترات زمنية، حتى يرى المواطن آثارا حقيقية وملموسة على الأرض.
لذلك، علينا أن نؤمن بالتدرجية في الإصلاحات الشاملة، فليس سهلا أن نُحدث فرقا في يوم وليلة، ما أتمناه فعلا هو مواصلة الإصلاحات من دون توقف، وأتمنى أن تسعفنا الظروف الإقليمية في ذلك، لا أن تُعطلنا، فلطالما أثرت علينا الإقليم سلبا، وعطل برامجنا التنموية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الإصلاحية.
• قبل أن أسأل عن مخاوفك من الأحداث حولنا، إلى أين تعتقد ستصل مبادرة العشائر؟
- إن اشتغلنا جميعا على المبادرة بروح المسؤولية، وإن تكاتفنا جميعا، ووزعنا الأدوار بشكل مدروس، وزهدنا في المسميات والألقاب، وآمنا بأن المبادرة هي لصالح المجموعات وليست موجهة لخدمة ألأشخاص عندها ستنجح المبادرة.
نحن بأمس الحاجة لوثيقة ومرجعية تعيد التألق لدور مؤسسة العشيرة، وتتحكم في عملها إيجابيا، وبتأثير للصالح العام، وتفعل دور وجهائها الحقيقيين، وأن نضغط على أصحاب العلاقة في تبني الوثيقة لتكون هي المرجعية للعلاقة بين الدولة والعشيرة، وهنا فإن الدولة والعشيرة ليسا خصمين، بل مؤسسة العشيرة يجب أن تظل في خدمة الدولة، وعليه فهناك حاجة ماسة لتطوير عقد العشيرة المجتمعي، وتفعيل دورها الريادي والقيمي والأخلاقي، وتفعيل دور قياداتها صاحبة التأثير، وشطب أخطاء القلة الذين ينتهكون العادات والتقاليد والأخلاقيات، وأقول القلة؛ لأن العدد الأكبر والأكثر من أبناء عشائرنا لا ينتهكون القانون ولا يخربون ممتلكات ومقدرات الوطن، ولا يشهرون أسلحتهم في الشوارع ويرهبون الناس.
لكن الأهم من كل ذلك، هو أن "تحمر الدولة عينها"، لكل من يخترق القانون، قاصدا ومتعمدا المس بهيبة الدولة.
فالدولة حصننا الحصين، ويجب أن لا يمس أحد هيبتها، وما إغلاقات الطرق والاعتداء على الممتلكات العامة وترهيب المواطنين، إلا اعتداء صريح على هيبة الدولة، وعلى الأجهزة التنفيذية أن تتحمل مسؤوليتها في وقف هذا كله؛ وفورا.
• إذن ما هي مخاوفك من الإقليم، وما الربط بين هذه المخاوف ومشهد التطاول على القانون في بعض مناطقنا؟
- الخطر الجديد الذي يهدد منطقتنا؛ هو سورية، والصراع الدولي على المصالح فيها، والاصطفافات العربية المتأثرة بالمعسكرات الدولية تلك.
لا أحد يملك جوابا على عمر الأزمة السورية المُفترض؛ وهي أزمة مفتوحة على مديات مجهولة، وعلمها صار من الغيبيات.
طبعا، أتمنى النجاح لمؤتمر جنيف الثاني، وأتمنى للحوار السوري السوري أن يُسفر عن ولادة حل سياسي، يضمن الانتقال السلمي للسلطة ويحفظ استمرارية المؤسسات هناك، ويقينا شر تقسيم سورية إلى دويلات، ويحفظنا من شبح الإرهاب، الذي سيجد في الفوضى السورية بيئة خصبة لتنظيم نفسه، وتوجيه ضرباته لدول الجوار.
سورية دولة إقليمية ذات وزن، وفوضاها ستكون كالعدوى التي قد تنتقل من مكان لآخر، وحسب المناعة الأمنية لدول جوار سورية.
لا أخشى على الأمن الأردني من كل ذلك، لكن الاضطراب من حولنا سيضاعف كلف أمننا، وهي الكلف التي لا تتعلق بالأعباء المادية فقط، بل بالعبء المعنوي أيضا، جبهتنا الشمالية لا تهدأ، وجنودنا من القوات المسلحة، في كل يوم يثبتون صلابة في مواجهة كل الأخطار، ويثبتون أن رسالتهم إنسانية بالمقام الأول.
لكن كل ذلك يجعلنا متيقظين لأي خطر قادم من الشمال. زعزعة استقرار سورية هو بالضرورة خطر على دول الجوار؛ الأردن ولبنان والعراق وتركيا.
• هل تخشى من استمرار تدفق اللاجئين السوريين؟
- هذه نتيجة حتمية لتطور الوضع الميداني العسكري في سورية، لكن أنا لم أعد أخشى فقط، أنا بت أفكر كيف لنا استضافة هذه الأعداد المتزايدة، ومن أين لنا أن نوفر الإمكانات والموارد لذلك.
موازنتنا متخمة بالعجز، وفاتورة الطاقة صارت "بتكسر الظهر"، وما زلنا ممسكين بموقفنا القومي والإسلامي، في استقبال كل لاجئ، فنحن لا نستطيع إغلاق الحدود في وجه أي مستجير، ولنا في التاريخ شواهد كثيرة، لمواقف الأردن والهاشميين الثابتة.
كل هذه الظروف الإقليمية الضاغطة، وما تزال متوالية الاحتجاجات والاعتصامات تطالب بتحسين أوضاع العلاوات الوظيفية والهيكلة والرواتب، ولدينا عبء كبير في دفع استحقاق رفع أسعار الكهرباء.
باختصار، نحن جميعا مطالبون بتحمل مسؤولية المرحلة، والصبر قليلا، حتى نعبر من هذه اللحظة التاريخية الحرجة.
لكن على الحكومة ومجلس النواب مواصلة البرنامج الإصلاحي الشامل، الذي يرعاه ويتبناه جلالة الملك من دون توقف، بذلك فقط قد يصبر المواطن ويتفهم.
صحيح أن الأعباء على المواطن كبيرة، لكن الصحيح أيضا أن الأعباء على الوطن أيضا كبيرة، ويجب أن نتكاتف في مواجهة هذه التحديات التي لم نصنعها، ولم يكن لنا فيها قرار.
• هل يخدمنا موقفنا من الأزمة السورية أم يضرنا؟
- أكبر خدمة يقدمها لنا موقفنا الرسمي والدبلوماسي، الذي يقوده جلالة الملك؛ هو أنه موقف ثابت من أول الأزمة السورية حتى اليوم، وأكاد أتحدى إن جئت لي بموقف دولة واحدة ثبت كموقفنا، وهذا إرشيف التصريحات الدبلوماسية لدول عربية وأوروبية، ولروسيا وأميركا، تستطيع أن تأخذ منه مر التناقض في المواقف. نحن منذ أول خروج مظاهرات درعا المطالبة بالإصلاحات والحريات، ونحن ندعو النظام السوري للحوار مع المحتجين والسعي لتحقيق الإصلاحات المطلوبة.
وكلما كان الصراع في تطور، كلما ازددنا تمسكا بالدعوة للحل السياسي السلمي والسريع، وهدفنا من وراء ذلك حفظ دماء السوريين وحفظ سورية من التقسيم.
وباعتقادي أن موقفنا الثابت هذا؛ يحرج دولا كثيرة، ويكشف أجندات تريد العبث بسورية ووحدة أراضيها ودماء شعبها.
ودعونا من المزايدات، لأن أي حرية ستأتي بتقسيم سورية، وعلى حساب استمرار نزيف دماء شعبها، هي حرية منقوصة، ولن تحقق مصالح الشعب السوري، بعد أن تنقسم أراضيه وتتهدم مؤسساته.
أجندتنا العربية واضحة، ولا يوجد من يستطيع الطعن في مواقفنا، ومن لديه حل أفضل من حلنا للأزمة السورية، فليتفضل وليقدمه، ويقنع الدول العظمى به.
ودليل على ما أقول، فقد استطاع جلالة الملك بحكمته ودبلوماسيته أن يقرب بين وجهات النظر الروسية والأميركية، ويقنعهما برعاية مؤتمر جنيف في حوار سوري سوري، وهذا انتصار دبلوماسي يجب أن نتوقف عنده طويلا.
وأكرر هنا أن الفوضى في سورية ستكون نذر شؤم للمنطقة، ولهذا فإن جهودنا السياسية والدبلوماسية تذهب باتجاه واحد؛ وهو الحل السياسي بما يخدم حفظ سورية من التقسيم وعودة الااستقرار لها مجددا والحفاظ على مؤسساتها ووقف نزيف دماء شعبها.
• هل تعتقد أن أي تطور ميداني عسكري في سورية سيوقف برنامجنا الإصلاحي الداخلي؟
- ما أخشاه فعلا؛ هو أن تنجر دول إلى الحل العسكري، فهذا خيار كارثي على المنطقة، ولن يكون باستطاعتنا بعد ذلك ملاحقة التطورات واستيعابها.
فالمعسكرات الدولية لها خريطة محددة، والانجرار للخيار العسكري يعني الإيذان باشعال المنطقة، ودخولها في حالة من عدم الاستقرار لزمن طويل مبني على المجهول.
لكن علينا هنا أن نرتب أوراقنا الداخلية، ونعيد ترتيب أولوياتنا محليا، والتحوط بخطط وبرامج طوارئ، كما علينا إيلاء الجانب الاقتصادي الأولوية والمركزية، دون أن نخفف من سرعة وتيرة الإصلاح السياسي المتدرج.
أي أن نستكمل برنامجنا في الإصلاح السياسي، بشكل يحافظ على تدرجية الخطوات والمراحل.
لكن ما نزال اليوم نتحدث عن قوانين إصلاحية معطلة، وهي تدخل في صلب حياة المواطن اليومية واهتماماته؛ وهي قوانين ذات أثر على دخل المواطن، كقوانين المالكين والمستأجرين والضمان الاجتماعي، والضريبة، وهي قوانين ذات أولوية، ويجب أن نقدمها للمواطن لنخفف عنه العبء المعيشي والاقتصادي.
• ماذا عن قانوني الانتخاب والأحزاب؟
- هما ذوا أهمية، لكن الأولوية في هذين القانونين؛ هي لفتح باب الحوار الوطني حولهما، والوصول لمقاربة إصلاحية لهما، لكن بحضور الجميع وضمان أن تكون مخرجات هذا الحوار الوطني الجامع جاءت بأقصى درجات التوافق، وبعد أن تتعهد الحكومة أو أي حكومة ومجلس النواب، بالتعامل مع توصيات التوافق بإيجابية وجدية، وبغير ذلك سنظل ندور بحلقة مفرغة.
لكن أنا فعلا أخشى على جاهزية الأحزاب الموجودة حاليا من التعامل مع أي قانون أحزاب أو انتخاب، لذلك خلال الفترة القادمة، يجب أن تعيد الأحزاب إنتاج برامجها وأدبياتها، لتصبح برامج واقعية قابلة للتطبيق، ومُوجِّهة وموجَّهة للمجتمع، أي أن تأخذ الأحزاب دورها التوعوي في حماية المجتمع من الأفكار الدخيلة والمسلكيات السلبية. وقد تستفيد الأحزاب من اللحظة الراهنة مثلا، وتبادر إلى السعي في المساهمة بوضع حلول للعنف الاجتماعي والجامعي. ليس معقولا أن الجميع يتطور؛ دولة ونظاما وشعبا وبيئات، والأحزاب ما تزال مُغلقة على ذاتها.
ولا يقولن أحد إن قانون الانتخاب يصنع أحزابا، لأن أي قانون، ومهما كان متطورا، فلن يُلزم المواطن بالانتماء لأحزاب، لا تقدم فكرا واقعيا جديدا.
كلنا مؤمنون بأهمية الحياة الحزبية، وكلنا يجب أن نعمل لأحياء حضورها المؤثر والفعال، لكن أيضا بالتدرج، حتى يتسنى للمواطن الإيمان بدورها الإصلاحي.
عقدتنا بأن طريق الحياة الحزبية كانت مليئة بالأشواك، وكانت أحزابنا تمتلك روحا معنوية عالية، وقاومت طويلا، لكن في اللحظة التي رفعت فيها كل المحاذير عن العمل الحزبي، نجد أن الأحزاب انكفأت على ذاتها وأصابها إحباط وعجز.
علينا أن ندعم الحياة الحزبية بالتشريعات المتطورة، لكن على الأحزاب أن تعيد تطوير ذاتها عبر خطوات تنظيمية فاعلة.
• لكن برأي البعض، فإن قانون الانتخاب فعلا يصنع حياة حزبية؟
- لا أريد أن أجادل طويلا، لكن ما أريد قوله هو أننا تطورنا سياسيا، بدرجة كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية، وهي سنوات الربيع الأردني.
ويكفينا عند فتح قانون الانتخاب للحوار من جديد، بأننا سنبدأ من أفكار زيادة مقاعد القائمة الوطنية، ولعلنا اقتنعنا اليوم أكثر بأنها يجب أن تكون قوائم حزبية، وأن إجراءات نزاهة الانتخابات صارت ثابتة لا أحد يستطيع المساس بها، بل بالإمكان تعزيزها والتطوير عليها وتحصين حرية الناخبين في اختيار من يمثلوهم بسرية وبمعزل عن تأثيرات المال السياسي أو الأسود، كما أن إدارة الانتخابات صارت منوطة بهيئة مستقلة، وأن التعديلات الدستورية منعت إقرار القوانين المؤقتة، إلا بظروف تعجيزية، أو ليس كل هذا إصلاح وتطور؟!.
لا أقول إن علينا التوقف عند هذا الحد، بل المراكمة على المنجز، والاستمرار في البناء والتطوير، والإنصاف عند الحديث عن الإنجازات.
نحن نعيش أجواء مسيرة متواصلة من الإصلاح الشامل، لها محطات، وعليها ملاحظات، لكن الأهم من كل المواقف "الحامية" من قانون الانتخاب، هو أننا اليوم، إذا ما أردنا تعديل القانون، فلن نبدأ من الصفر، بل من نقاط إصلاحية واضحة، وهي؛ زيادة مقاعد الدائرة العامة، وتعزيز إجراءات نزاهة الانتخابات، وتحصين القوائم، لتكون إما حزبية أو منضبطة الشروط، حتى لا يتكرر مشهد الانتخابات الأخيرة.

التعليق