علاء الدين أبو زينة

"الرّابطةُ" والكُتّاب بعد 39 عاماً..!

تم نشره في الأحد 19 أيار / مايو 2013. 02:00 صباحاً

تمر بنا هذه الأيام الذكرى التاسعة والثلاثون لتأسيس رابطة الكُتّاب الأردنيين في أيار (مايو) 1974. ويجدر بالزملاء الأساتذة الذين عايشوا حياتها في هذه الفترة أنْ يعكفوا على قياس المسافة بين الحُلم الذي استرشدت به أولاً وما حققته منه الآن. ينبغي أن يُصاحب الاحتفاء المُحقّ بمنجزات الرابطة وقوف نقدي عند الذي لم يتحقق، ولماذا، وكيف يمكن تحسين الأداء وإشراك الناس بطريقة خلاقة لخدمة الفكرة.
قبل 39 عاما، كانت الكتابة عَملاً إضافياً يزاوله الكاتب على هامش حرفته الأصلية. كان الكُتّاب أساتذة مدارس، وموظفين، وعمال بناء، وفي أحسن الأحوال صحفيّين أكثر قرباً من  الكتابة. وإذا وجد أحدٌ في نفسه هاجساً إبداعياً، ترتّب عليه أن يتدبر أمر الإعلان عن نفسه وحده. فإذا خدمه الحظّ، صادف أحداً يتبنّاه ويوصل نتاجه إلى صحيفة أو مجلة. ولا أعرف إذا أصبح طريق الكاتب الآن أيسَر، لكنّ انطباعي هو أنّ أحوال الكاتب العامة لم تتحسّن كثيراً. ما تزال الكتابة للمعظم إضافية، يمارسونها وفاءً للهاجس، ويتعبون في التوسل إليها وإطلاع الآخرين على ما حازوه منها، غالباً بالحظّ والوصاية.
وللحقّ، ليس هذا التهميش للكتابة وأصحابها عيباً محليّاً مخصوصاً بقدر ما هو ثقافة شكلتها مختلف الأسباب. ومع ذلك، أنتج المبدعون الأردنيون في أصعب الظروف، بجهد هو الأكثر تطوعيّة وبمردود عاطفي ومعنويّ قليل. ربما هنا تأتي أهميّة الأُطُر. ينبغي للروابط والنقابات أن تعزِّز الحافز الشخصي بوضعه في سياق جمعيّ آمِل حتى لا يذبل. وفي باب الآمال، وقفت على رأس مطالب "الرابطة" مؤخراً، إذا لم أكن مخطئاً، مسائل: التأمين الصحي ؛ الإسكان؛ ومقرّ للرابطة.
ولا تقليل من أهمية ذلك. لكنّه هامشيّ تقريباً أمام الأساس: تحصيل الاعتراف بالكتابة كمهنة وعمل أساسي. ومن الطبيعي أن تتبع العمل الأساسي مكتسباته، مثل التأمين الصحي والإسكان –أو القدرة على امتلاك سكن. وقد يربط البعض هذه الأطروحة بفكرة التكسُّب القديمة، حين ارتزق الكُتّاب بمدح السلاطين. ليست هذه هي القاعدة في مكافأة الإبداع. في العالَم المفكِّر، تدرّس الجامعات العريقة الكتابة الإبداعية كتخصص رئيسي، وتخرج أفضل الكُتّاب؛ ليس من المدّاحين، وإنّما من كُتاب الضروب الإبداعية. ومن الطبيعي أنّ الدارس هناك بعد اجتيازه اختبار الموهبة، يختصر الطريق ويرتّب حياته على أنّه سيصبح كاتباً، ويفعل. لكنّ ذلك يتطلب أولاً تشكيل القناعة بضرورة المنتج الثقافي العليا، حتّى يقبل الناس بتفريغ الكاتب ويحترمون عمله، ويباركون له بمكافأته عليه. ربّما تكون هذه منطقة أساسيّة لعمل رابطة الكتاب.
ربما يتعلق تحديد مكانة الثقافة وتقدير أهميتها بالسياسات العامة ووزارات الثقافة أكثر مما يتصل بجهد الكُتاب ورابطتهم. لكن يجب أن تكون للرابطة صلة، على الأقل بالضغط من أجل الالتفات إلى هذا الواقع المتعب وغير الصحي للكاتب والكتابة. لا ينبغي أن يحمل الكاتب عمله إلى الناشر، فيكافئه بمجرد نشر عمله والتفضّل عليه بأنه يروجه، وربما يعطيه بضع نسخ من كتابه ليدور بها على المشترين. لا ينبغي أن تصبح وسيلة الكاتب إلى الانتشار هي الواسطة والصلات، بحيثُ يُعدم مبدعون لأنهم بلا صلات. لا ينبغي أنْ تكون الكتابة وقتاً مُستقطعاً ببالغ الجهد من العمل الأساسي، يمرّر فيه الكاتب مشروعه الإبداعي من خُرم الإبرة وانتزاعاً من أنياب الوقت. وثمة الكثير.
يتوقع الكاتب من الرابطة، كإطار، أنْ توفّر له الأمن والاستئناس بالمجموع. أن تقلل إحساسه بالوحدة والانكشاف وتحمي ظهره. لا ينبغي أن يكون عنوان رابطة الكتاب الأردنيين –كما هو حالها الآن- هو الاستقطاب. استقطاب في الانتخابات، واستقطاب في المواقف المتصلة بقضايا جدلية. لا أعرف جدوى في التركيز على ما يفرّق الناس في "رابطة"، وفي الانشغال بفرض رؤى لا تتصل بالكتابة نفسها، كأولوية. لا أعرف إغراء خاصاً في قيادة مجتمع كثير الهموم، حتى يطلبها أحد باستعداء الآخرين وجعل المناخ تقسيمياً منفراً مثل الأنظمة العربية. ليس مفهوماً أن يغيب الحوار الحضاري وقبول الآخر عن رابطة يفترض أنها تضم نخبة الفكر الحرّ. لا ينبغي أن يبتعد الكاتب عن الرابطة، لأنه لا يُريد أن يُحسب على هذا ويُغضب ذاك، وكلهم أحباء. ليت العنوان يتجسد: "رابطة الكتاب"، وليس، "رابطة وكُتّاب"!

[email protected]

التعليق