عيسى الشعيبي

مجانية كل هذه السجالات

تم نشره في الثلاثاء 14 أيار / مايو 2013. 02:00 صباحاً

من المرجح أن المشتبكين بالحديد والنار داخل حومة الأزمة السورية الدامية، ليس لديهم سوى قليل من الوقت، وربما أقل القليل من الاهتمام، لمتابعة السجالات الجارية في الخارج عبر المنابر الصحفية ووسائل الإعلام المرئية، حول مجريات قضيتهم الذاهبة من تصعيد شديد إلى احتدام أشد، في أكثر من مئتي نقطة اشتباك يومي، موزعة على سائر أنحاء الجغرافيا السورية المفتوحة أمام مختلف التدخلات الإقليمية والدولية.
وقد يكون من حسن حظ السوريين، على اختلاف مشاربهم ومواقفهم، أن السجالات الإعلامية الدائرة خارج عتبة دارهم ليست هي العامل المقرر في سير تطورات أزمتهم المستفحلة، وإلا لأدت هذه المبارزات الكلامية الحامية إلى شحنهم بالمزيد من التوتر والهياج، وصبت كثيرا من الزيت على النار التي تواصل اتقادها، بمعزل عن وجهات نظر المتبارين براجمات الكلام من عيار ثقيل والقصف من بعيد.
ولولا أنني أشتغل بمهنة الكلمة، لقلت كم هو عابث هذا الانقسام الخارجي حول أزمة داخلية محكومة بعناصر قوة ذاتية يلعب فيها السلاح وحده، ويقرر المتقاتلون وجهاً لوجه في الملعب الدامي، خط سير هذه الأزمة التي لم يتوقف إطلاق النار فيها يوماً واحداً على مدى نحو عامين، وليس فيها خطوط حمراء أو حلول وسط. كما لم تنجح كل المبادرات السياسية في الحد من نطاق لهيبها المتطاير نحو الجوار، الأمر الذي يؤكد مجانية كل هذا التطاحن الكلامي وهذا الهذر للواقفين على الجانب الخاطئ من التاريخ.
إذ بعد انقضاء كل هذا الوقت من عمر الأزمة السورية، التي تقابل فيها المثقفون والإعلاميون والحزبيون على جانبي الصراع، بين أكثرية كاثرة مؤيدة للثوار وأقلية عالية الصوت تنافح عن القتلة والشبيحة، بدون وخزة من ضمير إزاء المذبوحين في الحولة وبانياس؛ تمترس كل طرف في خندق رؤيته الذاتية، وراح يترافع ببلاغة عن صحة موقفه، من غير أن يعبر واحد من هنا أو من هناك خط جبهة الحرب الكلامية باتجاه الجانب الآخر، الأمر الذي يشير إلى عدمية هذا التطاحن بالكلام الخشن حتى السباب.
مناسبة هذا القول الذي يكاد يُسقط من يد منشئه مسوغ الكتابة عن هذه  الأزمة، هو أن بعض المدافعين عن النظام المتوحش قد أخذتهم العزة بالاثم في أعقاب العدوان الإسرائيلي الأخير على الشام، فراحوا يقوّلون المدافعين عن ثورة الكرامة ما لم يقله أحد في مقام التهليل لهذا العدوان، ويدبجون معلقات الهجاء لمخالفيهم الرأي والرؤية، وكأنهم عثروا على ضالتهم المنشودة لتوظيف هذا العدوان المدان كلية، في إطار حملة كلامية ضارية، بدت أقرب ما تكون إلى الترهيب الفكري ضد المنافحين عن الثوار.
لسنا هنا في معرض الرد على الرد الذي استثمر متحدثاً مجهولاً مع القناة العاشرة الإسرائيلية، أثنى على الغارة الاسرائيلية (تبرأ منه الثوار على الفور، وقالوا إنه من صنع المخابرات السورية)؛ ولا نحن في مقام تسويغ تكبيرات مجاوري جبل قاسيون حين شاهدوا اشتعال النار في مرابض الراجمات التي أشبعتهم موتاً، فلهؤلاء منطق يمكن فهمه دون تقبّله، ولا تثريب عليهم (أي لا لوم ولا تعيير أو تأنيب) وهم أهل الدار. غير أن على من يعاندون الفطرة الأولى لدى الناس، حفاظاً على نقاء سريرتهم الثورية وتستراً على جذر مواقفهم الكيدية، ألا يساووا بين نقطة حبر بنقطة من دم، فما بالك بنهر من الدماء!
بكلام آخر، لم تعد للمبارزات الكلامية في الصحف، ولا للمناظرات على الشاشة، صدى صوت يمكن سماعه وسط هذه القعقعة بالسلاح التي تصم الأسماع، الأمر الذي يُدخل هذه السجالات في باب نوافل القول، ويجعلها من لزوم ما لا يلزم. ولولا أن الكلمة هي بدء المعرفة، ولها جانب من القدسية، لدعونا إلى الكف عن المطارحات النظرية حول حرب لا حلول سياسية لها، ولا هدنة مؤقتة، ولا قواعد اشتباك فيها، ولاستعدنا إلى الذاكرة مطلع قصيدة "أبي تمّام" المولود في قرية جاسم بحوران، غداة فتح عمورية:
السيف أصدق إنباءً من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعبِ

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »إذا كان السوريون (Ayoub)

    الثلاثاء 14 أيار / مايو 2013.
    إذا كان السوريون المناضلين لنيل حرية وعدالة مسروقة منهم منذ 45 عاما، اذا كانوا "مؤمنين صادقين"، فإن المولى جل شأنه أخذ على نفسه عهدا بأن "ينصرهم لا محالة". لذا فليطمئن الشرفاء المناضلين ومؤيديهم داخل وخارج سوريا بأن النصر آت نصرا مؤزرا. أما نظام الاسد الظالم الفاجر ومؤيديه المنافقين - داخل وخارج سوريا خاصة روسيا وايران وحزب الله اللبناني - فإن هزيمتهم قريبة ومؤكدة وأقرب مما تتصوره عقولهم المريضة. وقال المولى في هؤلاء المنافقين والفاجرين المؤيدين لنظام القتل والظلم والسرقات: " قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ". هذا هو الواقع الديني والتاريخي وإننا منتظرون إرادة الله التي ستسحق كل ظالم وجبار كالاسد وأزلامه، ليكونوا عبرة لغيرهم من الظالمين والجبابرة الذين أخذتهم العزة بالإثم، وكأن بشار الاسد أصبح "علي بن أبي طالب" في نظرهم.قاتلهم الله جميعا، وهو نعم المولى ونعم النصير.
  • »التاريخ لن يرحم مستغيث بالأجنبي (سفيان)

    الثلاثاء 14 أيار / مايو 2013.
    الأستاذ الكريم عيسى ، المستغرب أن بعضا من المثقفين مصرعلى التغاضي عن أن الاختلاف في سوريا بين فئتين مؤيدة ومعارضة ولا يتحدثون الا عن وحشية النظام ومؤيديه متجاهلين بأن المعارضة الغير موحدة قد تسلل اليها بعضا من المتشددين فأرهقوا السوريين بما يرتكبه من مثلهم عادة ومعظم الشعوب مرت بهذه الأحداث وعلى سبيل المثال وليس الحصر بداية السبعينات في القرن الماضي . أوباما وكاميرون يصرون على رحيل الأسد ؟ أليس هذا تدخلا في شأن بلد مستقل وماذا عن رأي المؤيدين له في الداخل السوري بغض النظر ان كانوا أقلية أو أكثرية ؟ أنا كمواطن أردني يهمني بلدي وتطوره وآمانه وأمنه والوفاء لأرضه وقيادته وأتمنى أن يعود الأمن والآمان لسوريا وأن يتفق مواطنيها على من يبقى ومن يرحل فهم الأولى بأن يختاروا قادتهم لا أن يفرض عليهم من يرتضيه الغرب والعرب الذين أذكوا نار الصراع وأيقظوا الفتن في أكثر من بلد ويحاولون مدها لمزيد من البلدان الآن ، لتصحوا الضمائر وتتفتح الأذهان وليعلم العرب بأن شلالات الدم هذه ليست ربيعا وليثقوا بأن كل من ينساق لرغبة مستعمر ويستغيث بالأجنبي لن يسامحه التاريخ .