د.أحمد جميل عزم

القدس.. ألف عام من المسيرات

تم نشره في الجمعة 10 أيار / مايو 2013. 03:00 صباحاً

جيرشوم جورنبيرغ، أميركي المولد، هاجر إلى فلسطين. وهو يستطيع بحكم إسرائيليته دخول القدس والسكن فيها. أمّا أنّا، فعلي البقاء في محيط المدينة، أرافق أبنائي إلى تلة تاريخية ليروا شبح الأقصى من بعيد. هو حلل صور مسيرات اليهود في القدس العامين 1928 و1929، لأنّه لم يعش تلك المرحلة، وأنّا أحاول تحليل ما تيسر من صور مواجهات ومسيرات المدينة هذا الأسبوع، لأني على بعد حاجز منها.
يتناول في كتابه "اليوم الآخر" صدامات حائط البراق العام 1929، ويورد أنها بدأت العام 1928، عندما أحضر حاخامات وطلاب دين مقاعد وحصائر للموقع، ووضعوا قطعة قماش تفصل الرجال عن النساء، قرب الحائط، ما اعتبره المسلمون مساسا بترتيبات متفق عليها لمئات السنين، ورأوه معيقا لحركة المسلمين القاطنين قرب الجدار. واصطدم المصلون اليهود مع الشرطة البريطانية التي حاولت إزالة ما جلبوه، فشنّت الحركة الصهيونية حملة تطالب بالجدار، وتصاعد التوتر.
وبتحليل صورة أُخذت لمظاهرة صهيونية قبل يوم ذكرى "تدمير الهيكل"، يورد جورنبيرغ أنّ فيها شبابا وشابات يرتدون "شورتات"، ويوضح أنّه لو كان هدفهم تأدية طقوس إحياء ذكرى هدم الهيكل، فإنّ ارتداء أحذية جلدية في يوم الصيام محرّم. ويخلص إلى أن: "المحتجون قوميون، أتوا لأن الجدار مقدس للأمة اليهودية، وليس بالضرورة لإله اليهود". غنوا النشيد الصهيوني، "هتكفا"، ورفعوا العلم الصهيوني، وتركوا الموقع للمتدينين للصلاة. في اليوم التالي بدأ الرد الإسلامي.
أرى في الصور متدينات ومتدينين صهاينة، ومشهدا فريدا، ولحظة تاريخية بامتياز؛ مستوطنين إسرائيليين يحملون أعلاما إسرائيلية، يقابلهم فلسطينيون، تتقدمهم فتيات، بأعلام فلسطينية، ويقفون قرب باب العامود (باب دمشق) الذي دخلته جيوش صلاح الدين الأيوبي لتحرير القدس.
لرؤية خلفية الحدث، أختار يوم 5 آذار (مارس) 1047،  قبل الاحتلال الصليبي بنحو نصف قرن، عندما زار الرحالة الفارسي ناصر الخنسراو القدس، فقال: "هناك سنوات يأتي نحو 20 ألف شخص للقدس في الأيام الأولى للحج (شهر ذي الحجة)، يجلبون أولادهم للاحتفال بختانهم. من كل البلدان؛ من اليونان  وأراضٍ أخرى، يأتي المسيحيون واليهود بأعداد كبيرة ليزوروا كنيسة القيامة، والكنيس الموجود هناك". المشهد أشبه بمسيرة منعت أثناء الاحتلال الصليبي أو الإسرائيلي. فمثلا، تورد مصادر أنه في العام 1177، كان في القدس يهودي واحد، يعمل صبّاغاً. منع الصليبيون اليهود وسمح لهم صلاح الدين بالعودة.
في العام 1920، وقف المربي والقومي العربي المسيحي صاحب النزعة الإنسانية، خليل السكاكيني يراقب احتفالات يوم "النبي موسى" الذي يأتي فيه المسلمون من مدن وبلدان مختلفة. كانت أعداد اليهود في فلسطين تراجعت من نحو 85 ألفا العام 1914 إلى نحو 55 ألفا العام 1918؛ كثيرون منهم هاجروا أثناء الحرب العالمية والمجاعة. ولكن بانتهاء الحرب، بدأت هجرة يهودية واسعة لفلسطين. كان السكاكيني يدعو، من بين أمور أخرى، إلى تدريب الشباب على الدبكات الفلسطينية والتراث الوطني حفاظاً على الهوية. وقف أعيان القدس على شرفة "النادي العربي" في المدينة لإلقاء الكلمات. في طرف المشهد إحدى الشخصيات تمزق نص كلمته غاضباً، لعدم تمكينه من إلقائها. وألقى عارف العارف، الصحفي والمؤرخ، كلمته من على ظهر الحصان. ويزعم "توم سيغيف"، الكاتب الإسرائيلي، أنّ الجماهير العربية كانت تهتف "فلسطين بلادنا واليهود كلابنا". وحدثت الصدامات، وحوكم 200 شخص، منهم 93 يهوديا، وهرب أمين الحسيني وعارف العارف إلى دمشق. كان في شوارع القدس يومها عرب أكثر مما في فلسطين من يهود، وكان المسيحيون بجانب المسلمين. والآن، الفلسطينيون ممنوعون من عيد الفصح، وموسم النبي موسى بات تاريخاً في المتحف.
في العام 1921 عاد الحسيني مفتيا للقدس، وهذا الأسبوع اعتقل مفتي القدس، وحشد الإسرائيليون في شوارع المدينة عشرات الآلاف.
في مثل هذا الشهر العام 2001، توفي فيصل الحسيني. اخترق الفلسطينيون الحواجز ووصلوا القدس وواروه ثراها. ربما كان ذلك آخر دخول ومسيرة كبرى من خارج المدينة. والآن، القدس معزولة وممنوعة.
تنظر إلى الصورة وتفكر، هل تكفي فتوى منع زيارة القدس؟ إذا كان الجهاد معطّلا، فماذا عن حملة ليكون للمسيحيين والمسلمين وكل البشر حق الوصول ومواجهة "هؤلاء"؟

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق