د.أحمد جميل عزم

نيسان بارد

تم نشره في الجمعة 12 نيسان / أبريل 2013. 03:00 صباحاً

نظرت عبر نافذة الكافتيريا صوب "كوبر"؛ بلدة مروان البرغوثي التي كان يأتي منها مشيا أحياناً. ها هي ذكرى اعتقاله، وها هي أيام انتخابات مجلس طلبة بيرزيت الذي ترأسه قبل إبعاده العام 1987. كان ذلك قبل ميلادها بأعوام. الضيق يسكنها، تشعر بالبرد. تذكّرت كلام والدها هذا الصباح أنّ نيسان أحب الأشهر إليه. ضحكت وهي تتذكره يغني. قال لها: كنت في الماضي أغني لأمك "عجبينك فتّح نيسان"، سأغني لك اليوم "عخدودك فتّح نيسان".
قالت تغيظه: "نيساننا" بارد هذا العام.
كان سعيدا قبل أيام، وقد حوّل تسجيل فيديو يعود لزمن الانتفاضة الأولى إلى "دي. في. دي" (DVD). رأته يقفز في فرقة الدبكة، في عمّان؛ تلمع عيناه والجمهور يصفّق. خطّت على أوراقها: هل كان يومها 11 آذار 1988، الذكرى العاشرة لنزول دلال المغربي إلى الشاطئ؟ هل رأى يومها وهو يقفز، يافا وحيفا وقباب حديقة البهائيين الذهبية؟
تلمّست الثوب المطرز في حقيبة بجانبها، وشمّت رائحة القماش الجديد. سترتديه يوم 16 نيسان في فعاليات إحياء الذكرى؛ ربع قرن مضى على الاغتيال. وخطّت: خليل الوزير، فتىً يحمل خريطة في جيبه، يسير في شوارع غزة يبحث عن مجموعاته، ليصنع ثورة.
أول من أمس، 10 نيسان، لمحت دمعة في عيني مدرب دبكة عجوز، صديق والدها، أتى يُتابع تدريباتهم. كان المكان مسرح كمال ناصر في الجامعة. "اليوم ذكرى استشهادهم". سيخبرهم كيف كان ناصر يحث مطلع السبعينيات، على تأسيس جامعة في فلسطين لتكون حاضنة جيل ثوري جديد. أخبرهم عن الكمالين ناصر وعدوان، اللذين اغتالهما الكوماندوز الإسرائيلي في فردان ببيروت العام 1973، ردّد لهم كلمات الشهيد الثالث يومها، أبو يوسف النجّار: "القيادات زائلة والشعوب باقية".
جلس إلى جوارها. تبدلّ ضيقها. تبادلت معه نظرات بارقة، وسألته ضاحكة مرددة كلماته: "الجغرافيا رائعة؟". تضحك لحماسته أمس وهو يخبرها، وقد بات مقتنعا بتخصص الجغرافيا: "سأدرس جغرافيا فلسطين.. سأحفظ كل شبر فيها، وكل شجرة، ومدينة. وسأترجم الكتب الإنجليزية التي تحكي تاريخنا وآثارنا". كان قد سمع أستاذهم يشكو صعوبة ترجمة مصادر بالإنجليزية عن قرى فلسطين، لعدم تطابق الأسماء العربية. شعر بالتحدي. أخبرها وهو يعرف انغماسها في قصص الشهداء، أنّ الشهيد ممدوح صيدم (أبو صبري) درس الجغرافيا. ضحكت وهو يقول لها، أتعرفين؟ سأناقش رسالة ماجستير "بعد صيف". قالها مشيرا لقصيدة محمود درويش وهو يقول "سجل أنّا عربي، وأطفالي ثمانية، وتاسعهم سيأتي بعد صيف". وقد كان أستاذهما يشرح لهما أنّ "بعد صيف" تعني صيفاً سيأتي يوماً، وأنّ القصيدة تحدٍ بأنّ الميلاد آتٍ حتماً، ليس بالضرورة الصيف المقبل تحديداً. قال سأناقش الرسالة يوم 24 تموز 2016، لتكون في ذكرى استشهاد "أبو صبري" الخامسة والأربعين.
رسمت على وجهها ابتسامة ماكرة، تذكّره بتباينهما السياسي؛ فرحة بنتيجة الجبهة الشعبية أمس في انتخابات الجامعة. قالت: سيصدر كتابي يوم 8 تموز، وفاءً لروح غسان كنفاني. كانت قد قرأت المجموعة الكاملة لغسّان أثناء العاصفة الثلجية نهاية العام الماضي؛ تجلس في الدفء ويتساقط الثلج في الخارج. تذكّرت يوم زارهم أصدقاء والدها من اليساريين، وكانت طفلة. أعطاها أحدهم مجموعة غسان القصصية للأطفال. فرأت فلسطين في عيني الرفيق الكهل المبتسم. يومها بدأت قصة عشقها القراءة والكتابة.
حملت مكبرات الصوت أصوات أنصار كتلة الوفاء الإسلامية، تذكّر الطلبة بأنّ هذه جامعة "العيّاش". تخيلت يحيى عياش ينزل درجات كلية الهندسة القريبة. وواصل الصوت يُذكّر بشهداء نيسان. فكّرت: ذكرى استشهاد أحمد ياسين يوم 22 آذار، في اليوم التالي لذكرى معركة الكرامة. واستشهاد عبدالعزيز الرنتيسي بعد يوم من ذكرى أبو جهاد.
مرّت قرب الهرم الذي يحمل أسماء طلبة الجامعة الشهداء، تمتمت: ليته لا يكبر، ليت التواريخ تصبح أقل. انكمشت برداً، وصوت ميس شلش في مكبرات الصوت تُغني: "غزة في يوم الانتصار". انتفضت مع الإيقاع.
تقص من الصحيفة تحقيقا عن ميسرة أبو حمدية؛ أول شهداء نيسان هذا العام. داهمها البرد. كتبت أعلى الصفحة: "نيسان بارد". شطبتها، وكتبت عنوان الكتاب الذي تأمل أن تنهيه عن قصص الشهداء، زهر الحنّون.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »انا اقول ابريل بارد (رجاء البحيصي)

    الأربعاء 24 نيسان / أبريل 2013.
    هم كثر شهدائنا
    منه من يستشهد في ساحة المعركه و من منهم من يستشهد جراء افشاء اسرارهم للعدوا الصهيوني ويقوم الموساد الاسرائيلي بتصفيتهم و إغتيالهم