د.أحمد جميل عزم

وأبوس "الماوس" تحت كم!

تم نشره في الأربعاء 10 نيسان / أبريل 2013. 03:00 صباحاً

مع أنباء الهجمات الالكترونية التي تشنها ما تُعرف باسم مجموعة "أنونيموس"، انتابت نشوة كبيرة قطاعات واسعة من التواقين إلى رؤية عمل مؤثر في مواجهة الصلف الإسرائيلي. وتراوحت التقديرات بأنّ إسرائيل خسرت ما بين مليارين وثلاثة مليارات دولار جراء الهجمات، وهو رقم قريب من المساعدات الأميركية لإسرائيل. والحديث عن شل موقع رئيس الحكومة، ووزارة الدفاع، والموساد، وغيرها، والحصول على معلومات بنكية كثيرة، بمعنى آخر هو حديث عن حالة شلل وإرباك كبيرين يعاني منها الإسرائيليون. ومقابل حالة النشوة هذه، هناك شبه صمت إسرائيلي.
لم أجد أخبارا في صحف مثل جيروزالم بوست، وهآرتس، ويديعوت أحرنوت، أو تعليقات عن الهجمات، إلا بشكل محدود جداً، رغم أنّ وسائل إعلام عربية نسبت حديثها عن الخسائر الكبيرة إلى وسائل إعلام إسرائيلية. وحتى الحديث عن قرب اختراق أنظمة الصواريخ النووية الإسرائيلية، الذي ذكرته محطات إذاعة ووسائل إعلام عربية، لم يؤد إلى تحرك من واشنطن أو حالة طوارئ من أي نوع.
السؤال الذي يقفز للذهن، وقد طرحه البعض فعلا: هل تقوم إسرائيل بالتعتيم على الأمر؟ هل أصبحت إسرائيل مثل إعلام بعض الدول العربية التي كانت تقوم الحروب وتنتظر ساعات وأياما قبل إعلان الخبر؟ أم أنّ الهجمات محدودة الحجم والأثر؟
واقع الأمر أنّه حتى لو كانت الهجمات محدودة، فإنّي أتوقع أنّ يهتم الإعلام العبري والإسرائيلي بالنشوة الإعلامية والعربية، وحتى بخطورة الفكرة، ليحولوها إلى قضية رأي عام. وقد استمعت وقرأت آراء خبراء عرب في المعلوماتية، فوجدتهم يتحدثون عن نصر معنوي، تمثل في حالة طوارئ واستعداد كبرى عاشتها إسرائيل. ولكنهم لا يتحدثون عن ضرر تكنولوجي ومادي.
بطبيعة الحال، الجهل التقني لدى الشرائح الواسعة من المتابعين، بمن في ذلك السياسيون والكتّاب، يجعل من الصعب الجزم بمدى ومعنى ما حصل. لكن ما يمكن تأكيد وجوده هو أنّ اختراقاً جرى لمواقع إسرائيلية مهمة فعلا، أدى إلى تعطيل بعضها، ووضع رسائل تفضح السياسات الإسرائيلية وتناصر الحقوق الفلسطينية. وما يمكن تأكيده أيضاً أنّ هذه هي الهجمة الثانية من نوعها، بعد هجمات تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وأنّ الهجوم هذه المرة أكبر.
تصور وجود قرار مركزي إسرائيلي بالتعتيم، باعتبار ذلك جزءا من الحرب النفسية، أمر مستبعد. ولكن حالة التجاهل أيضا مثيرة للانتباه. على أنّ المبالغة في أثر الهجمات أكيدة. تقول صحيفة "ذا كريستيان ساينس مونيتور": "أدى ما يشبه الهجوم على مواقع إسرائيلية إلى بعض التشويش، ولكنه لم يصل حد تنفيذ وعد مسح إسرائيل من خريطة الإنترنت". وتواصل الصحيفة أنّه بالتأكيد لم يَحدث تَوقُع أن يكون "أكبر معركة إنترنت في تاريخ الإنسانية".
لنتخيل أنّ موقع "ويكيليكس" هو الذي قام بالهجمات، وأنّ ما قيل من اختراقات دقيق، فهل نتخيل كمية المعلومات التي كنا سنجدها بين أيادينا، خصوصاً أننا نتحدث عن اختراقات حصلت منذ أشهر؟
تتفق تصريحات خبراء إسرائيليين على أنّ "الهجوم فاشل" أو "محدود". في المقابل، تنقل الصحف عن ناشطين عرب معروفين في عالم الإنترنت، أنّ الهجمة جزء من المقاومة اللاعنفية، وفيها بعد رمزي كبير.
أثناء الحملة الانتخابية لطلبة جامعة بيرزيت، استعدادا للانتخابات التي تجرى اليوم، شاهدت طالبا يلبس قناعا لم أميز في البداية معناه ولكنه مألوف، ثم تنبهت أنّه الوجه الذي يرمز إلى "أنونيموس".
عندما بدأ "شباب فيسبوك" الحراك في مصر وغيرها، قوبلوا باستهتار وتجاهل، حتى من الأنظمة التي لم تتخيل ولم تفهم مدى ما يمكن أن ينتج عن هؤلاء. وعندما كان الفدائيون الفلسطينيون ومن معهم من مناصرين يقومون بعمليات ببنادق شخصية عبر الحدود ضد إسرائيل، كانوا يتهمون بأنّهم يورطون العرب والبلدان في معركة هم غير مستعدين لها؛ تماما كما يمكن الحديث الآن عن تفوق إسرائيلي تكنولوجي قد يؤدي إلى رد ساحق فيما لو تحول الأمر إلى حرب فعلية مفتوحة إلكترونيا. ولكن الفدائيين بنوا ثورة، وثبتوا قضية فلسطينية وحافظوا عليها.
نحتاج من خبراء المعلوماتية أن يخبرونا حقيقة ما يحصل. وخبراء الإعلام مطالبون بدراسة معمقة لما أشيع من أنباء، ولما تم تجاهله والتعتيم عليه.
ظاهرة فرضت نفسها ومن الضروري فهمها.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق