د.أحمد جميل عزم

في خضم ثورة

تم نشره في الجمعة 5 نيسان / أبريل 2013. 03:00 صباحاً

ميسرة أبو حمديّة؟ جورج؟ اللواء أبو طارق؟.. تُصاب في البداية بارتباك من كثرة التفاصيل وتضاربها. ثم تتجمع الروايات وتتحقق منها، فيكتمل مخطوط صفحة في سفر الثورة.
بعيدا عن جدل الفصائل، تقترب من إنسان ثائر، مسكونٍ بأفكار وهدف؛ تعيش بأثر رجعي التفاصيل الصغيرة في حياته، ضمن ثورة كبيرة جداً، لا يظهر منها إلا رأس جبل جليدي. أشخاصٌ سكنوا بيننا، عرفناهم ولم نعرفهم.
اهتز العالم لاستشهاد ميسرة، وليته اهتز لإخراجه من المعتقل قبل وفاته بالسرطان مقيداً إلى سرير، أسيراً عند الإسرائيليين.
في العام 1974، التقى فدائي مع الشهيد حمدي (باسم التميمي)، في بيت خفي في جبل القصور بعمّان. كان البيت غرفة واحدة مع "حوش"، وفيه مطبخ وحمام خارجيان. يخبرني: جلستُ مع حمدي نحو ساعتين، ثم خرجنا ولمحتُ في المطبخ شخصا قَلَب وعاء الغسيل (طشت) وجلس فوقه وغفا. فأخبرني حمدي أنّ هذا "جورج". كان اسمه الحركي. ويعتقد الفدائي أنّ ميسرة انزوى في المطبخ بسبب متطلبات العمل السري. ويقول عُدنا بعد سنوات والتقينا وعملنا معاً.
فدائي آخر يخبرني أنّه التقى الشهيد ميسرة العام 1968 في المعتقل في فلسطين، ويعتقد أنّه جرى تنظيمه من قبل المجموعات الأولى التي عملت مع ياسر عرفات الذي دخل الضفة الغربية متخفيا، بعد هزيمة حزيران (يونيو) 1967، لبناء قواعد ارتكازية تشعل انتفاضة. يقول إنّه تم ترشيح ميسرة نحو العام 1974 للشهيد خليل الوزير (أبو جهاد)، ليكون ضابط ارتباط أو "نقطة ارتكاز" ضمن الجهاز الغربي، المسؤول عن شؤون الأرض المحتلة في "فتح"، ليتابع من عمّان شؤون المجموعات التي كانت تنضوي تحت اسم لجنة الـ77.
بقي ميسرة محافظا على سريته، وواظب على زيارة فلسطين في السبعينيات. وكان الإسرائيليون يعتقلونه ويعجزون عن إثبات شيء ضده، فقرروا إبعاده كليّا ومنع عودته. وفي عمّان، عمل في تصليح الإلكترونيات والكهربائيات، كما عمل في مكتب منظمة التحرير الفلسطينية، وكان يتردد على بيروت لتلقي التدريبات للاتصال بالفدائيين هناك، تحت غطاء دراسته الحقوق، رغم أنّه خبير الكترونيات ومتفجرات، يُعِد المناضلين ويرسلهم للأرض المحتلة.
تنافست حركتا "فتح" و"حماس" في الأيام الماضية على إعلانه شهيداً "منهما". والقصة أعمق وأكبر؛ لقد تم انتداب الشهيد العام 1989 من قبل حركة سرايا الجهاد الإسلامي التي انبثقت عن "فتح"، ولم تشترط أن يكون من فيها بالضرورة في "فتح"، ليقوم بتدريب العناصر الأولى من كتائب القسّام. ومن هنا، فهو "فتح" و"سرايا"، و"كتائب أقصى"، و"قسّام". عاد إلى الوطن بعد أوسلو، وأصبح جزءا من التوجيه السياسي، وضابطا في الأمن الوقائي في السلطة الفلسطينية. اعتقل العام 2002، وكالعادة لم ينتزعوا منه اعترافاً. وعندما حكم بسبب اعترافات آخرين عليه، فإنّ التهم تضمنت إرسال استشهاديين من "فتح"، وإرسال استشهاديين من "حماس"، وتجهيز خلايا من "فتح" وخلايا من "حماس"، واستمر ضابطاً يتلقى الترفيعات حتى رتبة لواء، وهو أسير.
سألت رفاقه القدامى عن انتمائه الفصائلي الختامي، فكان واضحا أنّهم لا يجزمون بشيء، وارتاحوا عندما قرأت لهم من موقع لحماس على الإنترنت: "إنه بعد صفقة وفاء الأحرار، انتقل ميسرة إلى أقسام حماس في معتقل ايشل ونفحة، وكان مثالا للوحدة الوطنية وتجميع الأسرى، حيث عمل أبو طارق خلال اعتقاله على تقريب وجهات النظر بين أسرى حماس وفتح، لا بل كان يعمل على إعداد مشروع مصالحة بين فتح وحماس من داخل السجون والمعتقلات".
كان اسمه الحركي "جورج"، قبل أن يصبح "أبو طارق". لعله بهذا، وربما بدون قصد، مارس "التشبيك" الوطني بين مكونات الشعب، مسيحيين ومسلمين، كما كان يغزل الفصائل، المتنافسة عليه، شبكة واحدة.
نحن إذن أمام شاب يُعتقل في الخليل، يتنقل بين عواصم عربية، لديه تأهيل في الإلكترونيات، يدرس الحقوق في الجامعة غطاءً لثورته، يُكوّن أسرة ولديه أبناء، تتجه بوصلته نحو فلسطين، فلا يبالي بأسماء الفصائل. كم من ميسرة في هذه الثورة تشهد عليهم جدران البيوت، والشوارع، والمعتقلات، و"الكبسولات" التي تحتوي رسائل الفدائيين وتُهرب بالأمعاء، وأنواع السلاح، والقتال، والأيديولوجيا، والأسماء الحركية، والتباينات السياسية، والمشاريع الصغيرة التي كانوا يقومون بها لكسب رزقهم، وقصص عودتهم، والشهادة!

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ابوحمديه (ثائر حلاحله)

    السبت 6 نيسان / أبريل 2013.
    هو فلسطيني اكبر من الفصائل انتمنى للخيار الاصوب هو خيار الجهاد والمقاومه وانا اكد انه لم يكون لا حماس ولا فتح ولا جهاد من يحب الشهيد انه يسير على خطه وليس التغني والتبني
  • »رحمه الله (شافيز)

    الجمعة 5 نيسان / أبريل 2013.
    اولأ هو مناضل فلسطيني عربي وهو ثانيآ شهيد الحريه والتحرر من االكيان الصهيوني لكننا في زمن جماعة السمع والطاعه فرع فلسطين التي تريد سرقة كل تاريخ نضال الشعب الفلسطيني بغض النظر عن انتمائه الحزبي كما سرقوا قطاع غزه باهله وجغرافيته .. رحم الله شهيدنا مهما كان حزبه فهو وتد من الاوتاد التي تغرس في ارض فلسطين جسرآ للحريه والتحرر.