د.أحمد جميل عزم

سجادات الذاكرة

تم نشره في الجمعة 29 آذار / مارس 2013. 02:00 صباحاً

بعض الناس كالجبال، لا تهَزُهم ريح، ولكنهم يصدعون لأمر ياسمينة..
ما إن أرسلت مقالي ليوم الجمعة الماضي، عن حي "أحفاد يونس" وقرية "باب الشمس"، حتى فطنتُ أني ربما غفلت. فالمقال يذكر السيرة النضالية والشجاعة لكثير من الحاضرين هناك، إلا أنّ المقال في مجمله عن لحظات الحي الحميمة؛ معصرة عنب كنعانية، وأغنيات، ودبكة، وابتسامات. هل بدا الأمر نزهة؟ لم أتحدث عن وعورة وصعوبة الدرب، أو ممارسات الجنود؛ عن برد أرض يفترشها الشباب، ويلتحفون السماء بعد أن ضاقت الخيام، أو يستدفئون بنار واهنة في ليل بلا نوم. لم أذكر حيرة سُكّان الحي الخجولة بين التوجه إلى أعمالهم وموارد رزق عائلاتهم وجامعاتهم، والبقاء انتظاراً لساعة المواجهة.
وجدتُ ما يُعزّيني.
هذا ما فعلته عائشة عودة، وأبو علاء منصور، وغيرهم، من الذين صنعوا الأحداث.
قاتَلَ أبو علاء في فلسطين، وتحرك يُناضل ويرسل المجموعات والأسلحة من الأردن ولبنان وسورية، منذ السبعينيات وحتى التسعينيات. دخل المعتقلات. عَبَرَ النهر وُقوفاً. أورثَته أمّه "قصة الماء". طلبَت منه يوم كان يعتقد أنّ الفقراء لا يدخلون الجامعات، وهي تعتقد أنّ غِنى الروح يهدي إلى المال اللازم، أن يكون كالماء الجاري؛ إذا واجهه حجر أو عائق التف عليه، وربما غمره، ومضى في طريقه غير آبه. مثل هذه الروح تجعله يكتب تجربته مستذكراً المضيء أكثر من غيره، بدون تلاشي الألم والمذاق المرّ.
عندما خرجت عائشة عودة العام 1979 من اعتقال عشر سنوات، طَلَبت من الصحفيين المحتشدين في المنفى ألا يسألوها عن التعذيب، بل عن الصمود والحرية. ولكنهم أبوا، وأضافوا فيما كتبوا تفاصيل لم تَقُلها. وبعد سنوات، عندما التقتها فضائية عربية طلبت ألا يسألوها عن العذاب، وأن تكون الحرية والتحرر موضوعهم. فأبَوا وحوّلوا الكاميرا زنزانة.
عندما كَتَبَت كتابها "أحلام الحرية"، نهاية التسعينيات، لم يكن الأمر ممكنا. فعندما تصبح الكتابة سجّادية، أي تدخل كل قُطب الحكاية لتَبسُط الذاكرة حصيلتها، يحضر كل الألم؛ ألم الانكسار وهي تواجه في المعتقل رفيقاً قابَلَته شرق النّهر وغربه، كان ودودا، وسيما، ومناضلا. جاء بها السجّانون الجلادون، تواجهه مكبلاً. كَبُر في أيام التعذيب أعواماً كثيرة. عاشت الانكسار وهو يُطأطئ و"يعترف عليها". حضر التعذيب والجلد، والبصق، والشتائم البذيئة، والغمر بالماء البارد، فأصبحت تُسرع في إنهاء كتابها عسى أن يزيح دفعه للمطبعة العبء عن كاهلها. هذا رغم أنّها سجلت في الكتاب نفسه روايات الانطلاق والتحليق سريعا بعد التحقيق. وهي تَسمَع وحيدة في زنزانتها عن عملية نفذتها شابة في السابعة عشرة، اسمها عائدة سعد، فتخاطب نفسها: "يا سلام! فتاة وقنبلتان ودبابة إسرائيلية؟ أردت أن أدبك: هبت النار عَ روس الجبال.. يا عائدة سعد يا فادية البلاد". وتخيّلَت فتاةً على صهوة جواد "تطير مثل سيدنا الخضر"؛ شَعرُها طويل، يرفرف خلفها راية خفّاقة، وعلم فلسطين رايةً أعلى. يومها، لوحت عائشة لعائدة عبر أفق الزنزانة، وناجت غسان كنفاني، وقامت تخطب في الناس.
لم يُنه إرسال الكتاب للمطبعة، واستقبال الناس له بحفاوة، الكابوس.
أمضت سنوات تكتب مقالات، ومجموعة قصصية عنوانها "يوم مختلف"، عاجزة عن إنهاء الجزء الثاني من مذكراتها. تخطت ذلك بعد المواجهة الذاتية والجماعية، فالتحقت بـ"رابطة نساء أُسرن من أجل الحريّة"، ما أطلقها ثانية تُسجّل التجربة تحت عنوان "ثمنا للشمس".
استمعتُ لعائشة في أكثر من مناسبة، تستذكر في حديثها للجمهور والناس لحظات الفرح. تتحدث عن ياسمينة نبتت في المعتقل. وتخبرنا عن نسمة حرية لا عن كرباج الجلاد وشاربيه. إحدى ذرى حياتها يوم عادت للوطن من المنفى منتصف التسعينيات، في يوم بارد؛ ضباب ومطر. فتلمح من بعيد على مرتفع ما، أهل بلدتها "دير جرير"، وآخرين، ينتظرونها يلوحون بالأعلام، بدون اكتراث بجو لا يغري بالاحتفال، ولكنهم يحتفلون بابنتهم وبطلتهم.
الذاكرة سجادة فارسية، فيها ملايين القُطَب، وطبقات لونيَة متداخلة يعلو بعضها بعضا؛ منظومات فرح وألم وسعادة.
في لحظات اللقاء مع الناس، مع تجدد الإيمان بالمبدأ والقضية، تبدو الآلام موجودة، ولكن ما يطفو على السطح ويخطف الروح واللحظة هو فرح الوقفة.

[email protected]

التعليق