في المصطلحات الدارجة: "مكونات المجتمع"

تم نشره في الجمعة 29 آذار / مارس 2013. 02:00 صباحاً

خلال حوالي عقد من الزمن، غزت الثقافة السياسية العربية جملة من المصطلحات المستخدمة بغزارة عند أهل السياسة والإعلام، تتعلق بجوانب داخلية في المجتمعات العربية، لكنها في معظمها جرى صياغتها وتشكيلها في الغالب خارج الحيز السياسي العربي.
من هذه المصطلحات "مكونات المجتمع"، وعادة ما يتم اتباع ذلك بـ"العراقي" أو "السوري" أو "اللبناني".. إلخ. وسياق استخدام مثل هذا المصطلح، في الغالب، حالة الانتقال السياسي التي تشهدها تلك المجتمعات. فالزج بهذا المصطلح يحاول أن يعكس أن أي تغيير يجب أن لا يهمش من دور أي "مكون". ومفردة "المكون" غالبا ما تكون دينية؛ فيقال مسلمين ومسيحيين أو سُنّة وشيعة، أو قومية؛ كأن يقال عربي أو كردي.
والتكرار الغريب لاستخدام مثل هذا المصطلح خلال العقد الماضي، وتحديدا بعد الحرب على العراق العام 2003، يبدو وكأنه يذكر بحقيقة أن الشمس تطلع من الشرق. فالمتتبع لتاريخ المجتمعات العربية، ينبغي أن يدرك أنه متنوع عرقيا ودينيا ومذهبيا، وأن ذلك هو السمة الغالية عليه وعلى مجتمعات عديدة في العالم؛ فالتنوع هو الأصل، في حين أن الاستثناء وجود مجتمع بلون واحد. وحتى داخل كل مجتمع من تلك المجتمعات القومية أو الدينية، ثمة كثير من المفارقات. من هنا، فإن التذكير بما هو معروف يبدو وكأنه يعكس مستوى من السذاجة السياسية.
لكن الأمر لا ينبغي النظر إليه في سياق السذاجة السياسية لأولئك المذكرين بذلك، بل هو في الغالب جزء من التصور الذي ساد سنوات وسنوات لدى الآخر السياسي والثقافي، وخصوصا الغرب. من هنا، يجب النظر إلى هذا الاستخدام كجزء من تلك السياسة التي ترى هذا الكل العربي يبدو مفرقا، وأن التغيير فيه في ظل هذا التنوع القائم شيء من المستحيل.
إن ما يجب النظر إليه باعتباره تنوعا يمكن أن يُغني ويستثمر فيه، يُرى من قبل الآخر انقساما. وهنا يبدو مشروعا السؤال عن الآخر: هل هو منقسم على نفسه أم أنه متنوع؟ وهل لديه مكونات أم لا؟ كيف استطاع أن يسثمر في التنوع الذي لديه ليصنع أحد أهم المدنيات في العصر الحديث؟
إن المرحلة التاريخية التي يشهدها العرب مقلقة لبعض الأنظمة، لكنها تبدو مقلقة جدا لمن له مصالح في المنطقة، ولتلك القوى التي ضمنت مصالحها من خلال ترتيبات أجرتها مع أنظمة مستبدة، وهي بالتأكيد ستكون حازمة وعازمة على تأخير هذا التغيير، وأن يأتي بنتائج من شأنها تبديل الواقع المؤلم الذي عاشته تلك المجتمعات العربية. وهذا بالطبع لا يستثني محاولات العبث بما يسمونه مكونات تلك المجتمعات، ومحاولات تأليبها على بعضها، منعا لأن يؤتي هذا التغيير أكله.
إن منطقا مفتقدا في مجتمعاتنا العربية بحاجة ملحة للإحياء، ألا وهو منطق التعايش والحاجة له. وهو بالضرورة لا يمكن نشره عبر الهواء أو الماء، بل يمثل ثقافة تتشكل وتسري في أنحاء المجتمع. هذا بالضرورة يستدعي فهم حقيقة أساسية، هي أن المجتمعات النقية وحدها المعرضة للفشل وعدم المساهمة في الإبداع البشري. ومقابل النقاء، المقصود به اللون الواحد عرقيا أو دينيا، يكون التنوع الذي يضمن الثراء المعنوي والمادي للمجتمعات. فهل نتجاوز معا ثقافة المكون إلى ثقافة المواطن؟

[email protected]

التعليق