دا سيلفا: أسطورة العامل الذي يغير العالم

تم نشره في الخميس 28 آذار / مارس 2013. 02:00 صباحاً

تبدو البرازيل اليوم مثالا عالميا يقتدى، حتى في دول الشمال المتقدم. ويعول تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية على النموذج البرازيلي للخروج من الأزمة العالمية وإنقاذ الفقراء؛ وهو تجربة مرتبطة برئيس البرازيل السابق لولا دا سيلفا.
يعبر الرئيس البرازيلي السابق، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، عن أسطورة مدهشة، لعلها تفوق أسطورة الرئيس الأميركي باراك أوباما؛ فهذا العامل الكادح الذي ترك المدرسة في الصف الخامس الأساسي ليعمل في السوق والورش، ثم عاملا حرفيا، ثم نقابيا ورئيسا لحزب العمل، فرئيسا للبرازيل، يشكل أسطورة مدهشة. ولكن الأسطورة ليست في تطور العامل البسيط إلى رئيس جمهورية البرازيل؛ خامس أكبر دولة في العالم (200 مليون نسمة ومساحتها 9 ملايين كيلو متر مربع). ولكن دا سيلفا وحزبه الحاكم استطاعا أن يحولا البرازيل إلى دولة ناجحة، وهي تمثل اليوم نموذجا عالميا على هذا الصعيد.
بدأ دا سيلفا حياته عاملا بسيطا ليساعد أمه وإخوته. ثم درب نفسه إلى حرفي تعدين، وأصبح تالياً نقابيا نشيطا يواجه الاستغلال ويسعى لتحسين أوضاع العمال، لينتخب العام 1978 رئيسا لنقابة عمال الحديد التي كانت تضم مائة ألف عامل! وتعرض للاعتقال والمحاكمات العسكرية. ثم بدأ في الثمانينيات يخوض العمل السياسي لمواجهة الحكم العسكري؛ فشارك في تأسيس وقيادة حزب العمل، وانتخب العام 1986 نائبا، ثم انتخب رئيسا لجمهورية البرازيل العام 2002، وجددت رئاسته العام 2006. وفي العام 2011، خلفته ديلما روسيف؛ زميلته في حزب العمال.
وقد استطاع دا سيلفا أن ينقل البرازيل من دولة فقيرة فاشلة، إلى دولة ناهضة، يراها تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية محركا أساسيا للأسواق العالمية، ويعول عليها -مع الهند والصين- على قيادة العالم في أزمته الاقتصادية الضاربة منذ خمس سنوات.
كيف استطاع هذا العامل الفقير الذي لم يكمل تعليمه المدرسي أن يقود دولة كبيرة مثل البرازيل، ثم ينظر إليه العالم كمخلص من الأزمة؟ المسألة ببساطة هي العدالة الاجتماعية بدون التخلي عن السوق، وتطوير الدور الإنمائي للدولة بدون تعطيل الشركات والمجتمعات. يقول أوباما إن دا سيلفا هو اليوم الشخصية الأكثر شعبية في الكرة الأرضية!
كان نجاح دا سيلفا في الانتخابات الرئاسية يبدو، للوهلة الأولى، صدمة للرأسمالية ورجال الأعمال في البرازيل والولايات المتحدة ودول القارة الأميركية. ولكن السوق البرازيلية والعالمية تبدو اليوم أكثر اطمئنانا وامتنانا لهذا الرجل العظيم الذي حول البرازيل من بلد مفلس، إلى بلد يتمتع بفائض يزيد على مائتي مليار دولار! ويحظى بالمرتبة الثامنة بين الدول حسب قوتها الاقتصادية (بناتج محلي إجمالي يبلغ 2.3 تريليون دولار). كما استطاع أن يخفض عدد الفقراء في بلده، وأن يرفع مستوى دخلهم ومشاركتهم الاقتصادية والاجتماعية، وأن يحدّث الجيش البرازيلي. وقد حظيت البرازيل باستضافة بطولة كأس العالم العام 2014، ودورة الألعاب الأولمبية العام 2016، تتويجا لصعودها العالمي، متخطية الدول الكبرى التي تنافس لأجل ذلك، مثل الولايات المتحدة وإسبانيا واليابان، وبدون أن تتخلى عن الاشتراكية أو فكرتها الجوهرية، وهي العدالة الاجتماعية.

[email protected]

التعليق