د.أحمد جميل عزم

الفلسطينيون وسط ضجيج الفراغ

تم نشره في الخميس 21 آذار / مارس 2013. 03:00 صباحاً

من السهل الكتابة عن زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، لفلسطين، أو عن خروج خالد مشعل بدون أن ينعقد مجلس شورى "حماس" في القاهرة، والذي قالت الأنباء إنّه الهدف الأصلي للزيارة، ما يوحي أنّ حسم موضوع رئاسة المكتب السياسي للحركة كان مقررا، ولكنه ربما تأجل لأنّ الوضع غير ملائم لتسجيل حضور سياسي للحركة من عاصمة الكنانة، حيث هناك حملة إعلامية ضد "حماس".
في الواقع أنّ هذين الموضوعين -زيارة أوباما، ومشعل- ليسا أمرين سهلين؛ فمن يتفحص زيارة أوباما، يحتاج إلى إمعان النظر كثيرا ليجد الشأن الفلسطيني في الزيارة؛ إذ اختفى هذا الشأن تحت طبقات أهداف أخرى، من نوع تمتين العلاقة مع الإسرائيليين، وعلاج موضوع إيران، والربيع العربي، وسوى هذا. وفي موضوع زيارة مشعل، يعجّ الحديث بالأسئلة، بدءا من مجلس الشورى صولا إلى حقيقة ما يحدث في سيناء؛ فهناك لاعبون جدد على الحدود مع فلسطين، لا يجزم أحد بهويتهم، يقتلون المصريين ويتجهون للإسرائيليين، فكأنهم لاعبون جدد وعابثون بالقضية الفلسطينية، والسلطات المصرية والفلسطينية (بغض النظر عما هو المقصود بالسلطات الفلسطينية، فهذا سؤال صعب آخر) لا تقدم جوابا عمّا يحدث.
الأصعب حقا، الكتابة عن الفلسطينيين في مخيمات سورية، وتونس، وفي الشتات البرازيلي!
فقد باتت أنباء المجازر في المخيمات في سورية "خبرا عابرا"، يظهر على الشاشات وفي الصحف الإلكترونية المتكاثرة، وفي الإعلام عموما. والحديث عن روايتين: الأولى، عن مجازر النظام؛ والثانية عن "المسلحين" الذين يستفزون الجيش لقصف المخيمات، ليُستثمر اللحم الفلسطيني دعائيّاً، كما يذهب أصحاب الرواية الأقرب للنظام. والمهم هنا أن لا أحد يعرف من هم حقا المسلحون الذي يجري الحديث عنهم؛ فمن هي "جبهة النصرة" مثلا؟ والأهم طبعاً، أين ذهبت الفصائل الفلسطينية، والقيادات التقليدية، هل جاءت "جبهة النصرة" هذه إلى فراغ فملأته؟ لكل فصيل فلسطيني علمه، ومكاتب في مخيمات كثيرة. حتى أصغر فصيل لديه ميزانيات، ومكاتب، وأمين عام، وموظفون، ولكن أين هؤلاء؟
حتى جنوب تونس فيه مخيم!
في مخيم "الشوشة" في أقصى الجنوب التونسي، لاجئون منذ أكثر من عامين. قالت لنا أنباء عابرة، إنّ ثلاث عائلات فلسطينية فيه، تتألف من 21 فردا تتراوح أعمارهم بين شهرين و58 عاما، قررت هذا الأسبوع الدخول في إضراب عن الطعام والشراب، احتجاجا على أوضاعها المعيشية الصعبة، وعدم الالتفات إلى معاناتها (لا نعرف هل سيُضرب الرضيع المذكور أيضا، أم ستضرب مرضعته، أم أنّ هذا استسهال في إيراد الخبر الفلسطيني الصعب؟!). هذه العائلات بالطبع هي رأس الجبل الجليدي للمخيم، فالحديث عن عدد يتجاوز الألف لاجئ من أصل نحو ثلاثة آلاف آخرين من جنسيات مختلفة كانوا في المخيم، لكن وجد غير الفلسطينيين منهم دولا تستقبلهم.
لاجئو أقصى الجنوب التونسي يذكروننا بلاجئي أميركا الجنوبية الجدد، أي البرازيل، الذين ذهبوا هناك من العراق بعد أن تُركوا لفراغ وأفاعي  الصحراء وعقاربها أشهرا طويلة، حيث لجأوا هربا من الملاحقة، عندما انتشرت الطائفية والكراهية كالفطر الغامض في العراق، واستهدفتاهم كما استهدفتا العراق كله. 
أوباما الذي يحرص على القول إنّ تسوية الشأن الفلسطيني في ذيل أهداف زيارته الراهنة، يتآزر مع حالة التيه والغموض التي يعيشها الفلسطينيون، وغياب القوى التي كانت تقودهم وتمثلهم، وعجز الماكينات الفصائلية والتنظيمية عن لعب دور ما، لتعني أمرين: حالة فراغ يعيشها الفلسطينيون، ووجود قوى كثيرة تتقاذفهم، بدون وجود قوة تدافع عنهم وتشكل مرجعية واضحة لهم وتتحدث باسمهم.
يستهين اللاعبون الدوليون والإقليميون في تقييم وإدراك معنى حالة الفراغ والتناسي والطمس للشأن الفلسطيني. فربما تكون إضرابات الطعام آخر أسلحة العاجز، ولكن الخمسينيات من القرن الماضي التي عاش فيها الفلسطينيون حالة شبيهة من العشوائية، وفقدان المرجعية الواضحة والفاعلة، وخطر الطمس، أدت إلى بروز الثورة الفلسطينية بكل تجلياتها، بما في ذلك ممارسات يرفضها الآن حتى بعض من قاموا بها، مثل العمليات الخارجية التي سرعان ما توقفت بفعل تطور مرجعية فلسطينية. وتجليات وارتدادات الحالة الراهنة قد لا يكون ممكنا توقعها أو ضبطها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »قراءة واقعية للمشهد الفلسطيني (جمال حمور مندوب الفلسطينين بمخيم الشوشة تونس)

    الجمعة 22 آذار / مارس 2013.
    دكتوراحمد اسمح لي ان اعبر عن وجهة رايا المتواضعة وهي يجب علينا نحن الفلسطينين نبذ هذه القيادات البالية التي لاتفكر مجرد التفكير بما يريده الفلسطيني ودائما حسابها ارضاء الطرف الاخر وهو الامريكي والاسرائيلي والا ما هو تفسير مقولة السلطة الفلسطينية بموضوع اللاجئين بمخيم شوشة ليس لي علاقة ومشكلتهم مع المنظمات الدولية
  • »ضياع الامة (هاني سعيد)

    الخميس 21 آذار / مارس 2013.
    ان الامة العربية اليوم في اقصى مراحل الضياع فلم تمر فترة اسوأمن هذه الفترة لأننا لا نعرف من هم اللاعبون الان هي عبارة عن مجموعات مدسوسة يقال انها تناضل من اجل التغيير وانها مجموعات وطنية واذا بها مجموعات مرتزقة كما هو الحال في سوريا فقد بدات المعارضة في البداية بعناصر وطنية ثم آل المآل الى ما نراه اليوم حولوا سوريا من قلعة للحرية الى قلعة للمرتزقة بمال العرب
  • »قيادات تحتاج الى تغيير (ابو انيس القروي)

    الخميس 21 آذار / مارس 2013.
    لا يمكن تحميل الشعب الفلسطيني ما لا يمكن ان يحتمل بسبب فشل الانظمة العربية والاسلامية في معالجة القضية الفلسطينية ، ونتيجة لانشغال تلك الانظمة في صفقات واجندات ومصالح دولية على حساب الكثير من مصالح الشعوب العربية والاسلامية ، بما في ذلك مصالح الشعب الفلسطيني ..... وبسبب انقسام وتشرذم القيادات الفلسطينية على نفسها ، وخاصة حين نجد ان بعض تلك القيادات تهتم في مصالحها الخاصة على حساب استمرار نزف الجرح الفلسطيني ، كما هو حال الانظمة العربية والاسلامية كذلك مع شعوبها.
  • »قراءة شمولية ذكية (الطريفي)

    الخميس 21 آذار / مارس 2013.
    دكتور أحمد،، قدمت قراءة شاملة للمشهد الفلسطيني، و تحليل ذكي، وجدنا بين السطور ترجمة واضحة لما يجول في خواطرنا عن التشتت و انحراف المسارات و فقدان السيطرة على السفينة، أرجو أن تعدل رياح ارتدادات المرحلة الراهنة مسارنا و توقظ الربّان والركاب معاً.