علاء الدين أبو زينة

تجارة بلا تقاليد!

تم نشره في الجمعة 15 آذار / مارس 2013. 02:00 صباحاً

كنت أزور بلداً عربياً شقيقاً بصحبة صديق، وعرّجنا على محل للحلويات والشوكولاته التي يشتهر بها ذلك البلد. وقد أحبّ صديقي التأكد من جودة المنتج قبل الشراء، فتذوق قطعة شوكولاته أو حلوى –لا أذكر بالضبط- ولم تعجبه الجودة، فاعتذر وهممنا بالخروج. وعندئذ، استوقفنا صاحب المحل، وتعامل بمنتهى الجفاء مطالباً بثمن القطعة، ولم يطلق سراحنا إلا عندما نقدناه ثمنها. وعندما قصصنا الحكاية على تاجر آخر في نفس الشارع، احمرّ وجهه وخجل واعتذر، واعتبر سلوك زميله إساءة لكل التجار، وللبلد وأهله ولتقاليد التجارة، وأصر على إهدائنا كميّة مجانية من الشوكولاته فوق ما اشتريناه، على حسابه الخاص.
ما أكثر ما أتذكر تلك القصة كلما شاهدت مثيلاتها –باختلاف التفاصيل- في أسواقنا ومحلاتنا هنا. كَم من ورشة تضع عندها شيئاً لإصلاحه على أن تتسلمه صالحاً غداً، فتعود مرّات لتجده غير صالح حتى تملّ. وكَم من بائع تعود إليه مباشرة بعد اكتشافك الغشّ في بضاعته، فينكرك ويتنكر لك، ويتنصل من مسؤوليته عن عيب بضاعته وينسبه إليك. وكَم من تاجر تُلمُّ بمتجره، فيعاملك من فَوق، وبقليل من الذوق، وكأنك طالب صدقة أو يتيم على مائدة لئيم. ومَن منّا يشتري قميصاً أو رداءً وهو يثق أنّه لن يجد أخاه من أمه وأبيه بنصف الثمن في محل مجاور، فيندم ندامة الكسعيّ على ما فرّط به من عدم التجوال ومقارنة الأسعار حتى تتهرئ قدماه؟ والقائمة تطول.
المشكلة أنّ غرابة التعامل مع المشترين، والتجاهل المطبق لتقاليد التجارة، يطالان الشركات الكبيرة ذات الأسماء والماركات. وأذكر من ذلك أنني رافقت صديقاً لشراء أجهزة تكييف من محل كبير. وقد اختار جهازي تكييف ودفع نصف الثمن (عربوناً)، على أن يتم تركيب المكيفين في اليوم التالي. وعندما انقضى اليوم ولم يسمع من أحد، ذهبت معه في اليوم الثالث ليقول لنا الباعة في المحل إنهم لم يجدوا القطع في المخازن، وعليه أن ينتظر قدوم الشحنة القادمة في وقت غير معلوم. وأراد صاحبي استرداد نقوده فرفضوا. واحتج، فاتصلوا بالإدارة ثم طلبوا منا مراجعة المكاتب الرئيسة في شارع بعيد. وذهبنا، فقابلنا "المعلم" في مكتب فاره، وتصرف وكأنه صاحب البيت الأبيض. وبعد أخذ وردّ، وافق فقط على أن يأخذ صديقي بضاعة لقاء نقوده، فاشترى تلفازاً وأشياءً أخرى لا أذكرها. وأذكر أنني "نرفزت" وبدأت بتصعيد اللغة مع صاحب المكتب –مخاطراً بمعاداة تاجر نافذ- لكن صديقي المسالم أوقفني، فكفاني شر التداعيات.
أما آخر ما حُرّر؛ فقد احتجت إلى شراء شيء مؤخراً، فدلني إعلان على شركة تتباهى بماركتها الأجنبية ومبناها الفاخر. قلت لنفسي: لعل التعامل مع وكيل شركة أجنبية أيسر وأصدق، و"الإفرنجي برنجي". وذهبتُ، فوجدتهم يخصصون بائعاً يتجول معك، إمعاناً في الاهتمام. وعثرت على شيء أعجبني، فقلت: هذا. وذهب "بائعي المخصوص" ليرتب ما يلي مع الإدارة، فعاد ليقول إنّ العرض على السلعة لا يشمل اثنتين من القطع الموجودة تحت شاخصة السعر. لا بأس، بائعي المخصوص غير خبير. تحصل. فما ثمن المجموعة مع القطعتين؟ وحسبوا وكتبوا، فإذا بالسعر يرتفع بما يقارب النصف. وبعد أن غادرت، حدثتني نفسي المعجَبة بالضغط على الميزانية وشراء المجموعة بالسعر الجديد، وعدت في اليوم التالي، فتفقدوا وقالوا إن البضاعة "مبيوعة". ولا أذكر كل التفاصيل، لكن القصة كلها تضايق، وتفصح عن غياب الصدقية والمعايير.
عند "الفرنجة"، يقولون إنك تستطيع أن تشتري شيئاً وتعيده بعد شهر أو شهرين لأنه لم يعجبك. وهناك لا يحقّقون معك مثل "الغستابو" ليتأكدوا إذا كان المعطف "مجعلكاً" وأنك ارتديته في حفلة ثم أعدته، ولا يتقاضون منك غرامات ويفرضون عليك عقوبات. ومن المؤكد أن الناس هناك لا يغشون أيضاً فيعيدون السلعة لسبب تافه. إن المسألة تتعلق بالأخلاق المجتمعية بشموليتها؛ عند الباعة والمشترين على حد سواء.
نحن أصحاب ثقافة "وجه البكسة"، حيث تشتري صندوق فاكهة لتجد في قعره قمامة مخبأة تحت الصف الأول النضر. وقد سمعنا عن بائعي شوارع يرشون الفراولة بصباغ أرجواني ليحرضوا شهيتك ويسرقوا نقودك. هذه التجارة التي بلا تقاليد هي المختصر المفيد لحالة اقتصادنا!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »قطعة البولاد على الرقبة (د.ععبدالله عقروق / فلوريدا)

    الجمعة 15 آذار / مارس 2013.
    كان تاجر في عمان ، يعلق قطعة بولاد مخفيه تحت رقبته . وكانت النساء يشترين منه دوما . وكن بفصلن كثيرا بالسع . فكان يضع يده على قطعة البولاذ المخفية ، ويقسم ويقول بولادي ببيعك هذه السلعة براسمالها . وكانت النساء يحسبن انه يحلف بأولاده .فيشترين وهن مطمئنات
  • »الغش بدمهم (رب اسره)

    الجمعة 15 آذار / مارس 2013.
    لإنه الغش صار في دم البعض الكثير من التجار و الحرفيين و بائعي الخضار و بيفكروها شطاره مع أنها ؟؟؟؟, بنشوف أنه بيشتغلوا و بيربحوا لكن شكلهم و لبسهم و حياتهم مش من مستوى دخلهم بل أقل بكتير و السبب حسب رأي أنه إللي بيغش الله لا يبارك له في رزقه و شو ما ربح ما فيه بركه .