د.أحمد جميل عزم

كيف يكون اليهودي "منغلقا" و"متغلغلا" في الوقت ذاته؟

تم نشره في الجمعة 8 آذار / مارس 2013. 02:00 صباحاً

شاركت هذا الأسبوع في مؤتمر "خطاب القدس تحديات المستقبل"، في عمّان وبيروت، وعُقد بتنظيم من مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وبتشارك مع الجامعتين الأردنية والأميركية ببيروت. وكانت مساهمتي عن "القدس في الخطاب الأميركي".
ربما لا يشكل اليهود في الولايات المتحدة الأميركية أكثر من 1.7 % من السكان، ولكن من زاوية أخرى فإنّ الولايات المتحدة هي إمّا البلد الأول أو الثاني في العالم الذي فيه أكبر عدد من اليهود. ففي بعض الإحصاءات، هناك نحو ستة ملايين ونصف المليون يهودي في الولايات المتحدة، أمّا في فلسطين، فالعدد لا يصل ستة ملايين يهودي. وقد هاجر اليهود من إسبانيا والبرتغال إلى الولايات المتحدة منذ القرن السابع عشر. وفي العام 1880، كان هناك ربع مليون يهودي في الولايات المتحدة، لديهم حقوق مواطنة أفضل بكثير مما لهم في أوروبا. أمّا فلسطين (كما في حدودها العثمانية)، فكان فيها العام 1890 نحو 43 ألف يهودي.
على هامش هذا الموضوع، وبعيدا عمّا قلته في المؤتمر، كثيرا ما شغلتني أسئلة عن كيفية حدوث التحول في الرأي العام الأميركي، وصولا إلى هذا التأييد لإسرائيل. وبالتأكيد، لا يمكن الإجابة بسهولة عن هذا السؤال، ولكن إحدى القضايا التي تستحق التوقف هي نوعية العلوم والمعرفة التي يقدمها علماء اليهود في الغرب.
هناك أسماء لامعة الآن من الفلسطينيين والعرب في الجامعات الأوروبية والغربية. وإذا كنت سأتجنب العلوم الطبيعية التي لا أمتلك معرفة بشؤونها، فإنّي عندما أتحدث في الإنسانيات، وتحديدا العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أجد أنّ جزءا رئيسا من أهم المؤسسين والرواد في هذه العلوم هم من اليهود. من هؤلاء هانز مورغانثيو (1904 - 1980) مثلا، الذي يعتبر رائد المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، والذي أصدر كتابه الشهير "السياسة بين الأمم" في العام 1948. وهناك هنري كسينجر (1923 - ) الذي يعتبر عالم علاقات دولية رئيسا، إلى جانب دوره السياسي. وهناك أهم مُنظّر في المدرسة الليبرالية الجديدة في الاقتصاد، ميلتون فريدمان (1912-2006).. والقائمة طويلة. ولكن مما يستحق الانتباه أنّه بينما تكاد الأسماء اللامعة العربية في الأكاديميا الغربية تتخصص بشؤون فلسطين والعرب، كان العلماء اليهود يؤسسون للعلم بشكل عام. فمثلا، الفلسطيني إدوارد سعيد (1935-2003) اشتهر بسبب إسهاماته في فهم الاستشراق، رغم أهميته أيضا في نظريات "ما بعد الاستعمار". واللبناني ألبرت حوراني، (1915-1993) اشتهر بفضل نظرياته وكتبه عن الشرق الأوسط. كذلك، فرغم أنّه اشتهر بنظرياته عن "الحرب المتطاولة"، فإنّ اللبناني إدوارد عازر (1938-1991) بنى دراساته على الحالة اللبنانية.
حالة العلماء الفلسطينيين والعرب مقارنة باليهود، تجيب ربما عن سؤال لماذا هناك جماعات متزايدة تؤيد الفلسطينيين والحق العربي في الغرب، ولكن مفعولها قليل؟ والسبب ربما أنّها لا تتغلغل في الحياة الغربية ذاتها، وليس فقط من حيث مخاطبة الغرب في شؤون العرب وفلسطين. فحملات التضامن مع الفلسطينيين تكتفي بالحديث عن الشأن الفلسطيني، بدون أن تتغلغل في المؤسسات التشريعية والسياسية في دولها. أما في حالة إسرائيل، فإنّ مؤيديها في الكونغرس الأميركي، مثلا، هم ذاتهم الذين يحتاج إليهم الرئيس الأميركي للتصويت على الموازنة.
العلماء اليهود لم يكونوا بعيدين عن دعم إسرائيل ومشروعها، بشكل مباشر أو غير مباشر. فمثلا، قام ألبرت آينشتاين (1879-1955)، صاحب النظرية النسبية، بجولات عالمية لجمع تبرعات لبناء الجامعة العبرية في القدس، والتي وضع حجر الأساس لها العام 1918. ودور هنري كيسنجر السياسي لا يحتاج إلى تعليق.
يجري الحديث دائما عن انعزال اليهود في مجتمعاتهم. وربما يكون هذا صحيحا من حيث إقامة مجتمعات تحمي الهوية بانغلاق. ولكن في بعض الجوانب، كما في العلوم مثلا، يبدو أنّ اليهود لم يكتفوا بالحديث عن المسألة اليهودية، بل خدموا المسألة اليهودية، بقصد أو بدون قصد، بالانفتاح أو ربما التغلغل السياسي والعلمي، ما جعل دورهم عضويا في مجتمعاتهم. يقول اللوبي الإسرائيلي "أيباك" هذا الأسبوع، إنّ على اليهود أّن يكونوا فخورين بقوتهم وباستخدامهم للمال لدعم السياسيين الأميركيين (وبالتالي التأثير فيهم)، بدون أن يشعروا بحاجة إلى الاعتذار.

[email protected]

التعليق