عدوى الديمقراطية التوافقية تنتقل إلى المتدينين في إسرائيل

تم نشره في الخميس 7 آذار / مارس 2013. 02:00 صباحاً

بينما تبدو معادلات دور الدين في السياسة في إسرائيل أمام امتحان، قد ينشأ عنه تغير تاريخي؛ تغير العقيدة اليهودية، فإنّ مسارات التسوية مع الفلسطينيين لا تبدو أمام آفاق جديدة عاجلة.
إذا انتهت عملية تشكيل الحكومة الإسرائيلية في المسار الحالي، فستكون الحكومة الأولى منذ العام 2003 التي تخلو من أحزاب أصولية أرثوذكسية. وحتى في حال انضمت هذه الأحزاب إلى الحكومة، فإنها ستكون في موقع ضعيف، تقبل فيه شروط الحزبين الشريكين في الحكومة؛ حزب "يوجد مستقبل"، العلماني الصهيوني ذو البرنامج الاجتماعي، وحزب "البيت اليهودي"، الذي يمثل المستوطنين بمن فيهم الصهاينة المتدينون. وشروط الحزبين الأساسية هي مراجعة امتيازات المتدينين في إسرائيل.
هذا الأمر لا يرضي الأصوليين. ولذلك، تحرك حزب "التوراة اليهودية المتحدة" لتقديم مشروع قانون يدعو إلى انتخابات جديدة، لأنّ نتائج الانتخابات التي أجريت في 22 كانون الثاني (يناير) الماضي "جداً غير حاسمة". وما يطرحه هذا الحزب أقرب إلى عدم التسليم بنتائج العملية الديمقراطية. فهو، وعلى وقع تشكيل حكومة بدونه، يعتقد كما في مشروع قانونه أنّ "إسرائيل ستحكم بواسطة أفراد غير مسؤولين، تحركهم الكراهية للآخرين". ويتحدث الحزب كيف كان رئيس الوزراء المكلف، بنيامين نتنياهو، يريد تشكيل حكومة تضم أطياف العمل السياسي، ولكن "يوجد مستقبل" و"البيت اليهودي" فرضا حكومة بدون المتدينين.
من غير المتوقع أّن تجرى إعادة الانتخابات. ولكن، لا شك في أنّ النظام السياسي الإسرائيلي يمر في مرحلة حرجة. فالتباين بين القوى الصهيونية العلمانية والمتدينة من جهة، والأصوليين من جهة ثانية، يزداد جدا؛ فالأوائل يريدون وقف امتيازات الأحزاب الأصولية غير الصهيونية (المالية والضريبية)، ويريدون وقف إعفاء المتدينين الأصوليين من الخدمة العسكرية الإلزامية. ومن الواضح أنّ كل طرف قد يسعى إلى إلغاء الطرف الآخر. وواقع الأمر أنّ ما يحدث في إسرائيل هو اتحاد العلمانيين، اليسار والوسط، ومعهم ما يسمى المتدينون الجدد من حاخامات الجيش وحاخامات يؤمنون بالصهيونية، ضد الأصوليين ومعهم بنيامين نتنياهو.
إذا تحقق التشكيل الانتخابي (ليكود–إسرائيل بيتنا، ويوجد مستقبل، والبيت اليهودي)، فهذه لن تكون الحكومة المفضلة لنتنياهو؛ فالأصوليون اعتادوا على التحالف معه على أساس ترك الكثير من الملفات -السياسة الخارجية والاقتصاد- له، مقابل مكاسب مالية يحققونها. والشركاء الجدد المتوقعون لنتنياهو من النوع الطامح إلى مكانه، وسيعاملونه بندية، وربما عدائية، خصوصا "يوجد مستقبل" الذي يحمل أجندة اقتصادية تتعارض كثيرا مع نتنياهو.
يبدو المتدينون الإسرائيليون كما لو كانوا يريدون تكرار النظام الذي حمل لواءه أولا في لبنان، حزب الله وتيار ميشال عون، عندما أصرا على حكومة فيها ما سمياه "الثلث المعطل"؛ أي ضرورة مشاركة الأقلية البرلمانية في الحكم. ثم تكرر الأمر في العراق، عندما فُرضت حكومة ائتلافية واسعة للجميع تقريبا. وهو ما تطالب به جبهة الإنقاذ العلمانية في مصر، والتي تريد حكومة وحدة وطنية لإدارة الانتخابات.
وإذا كان العرب لا يقتنعون، على ما يبدو، بحكم الأغلبيات، ويريدون حكومة محاصصة باسم "التوافق"، فإن هذا ما يبدو أن المتدينين الإسرائيليين يريدونه. وسيكون هذا صعبا في إسرائيل، لوجود أغلبية قادرة على فرض حكومة، وعدم وجود تدخل خارجي كما في حالة العراق ولبنان. ولكن المتدينين الأصوليين قد يلجأون إلى تصعيد في الشارع، واحتجاجات ذات طابع ديني وأخلاقي. أو أننا سنشهد تسليمهم وتخليهم عن رفضهم النظري للصهيونية، خاصة وأنهم عمليا يقبلون أغلب أطروحاتها، ولكنهم بذريعة التدين يرفضون تحمل أعبائها ماليا وعسكريا. وإن سلموا بالصهيونية، فهذا سيعني تغيرا عقائديا كبيرا.
يبدو "يوجد مستقبل" مهتما بتنشيط عملية سياسية مع الفلسطينيين، وإن كان لا يبدو حتى الآن أنّه يقدم أفكارا يمكن أن تؤدي إلى تسوية. فموقف الحزب من الاستيطان، مثلا، لا يختلف عن باقي الأحزاب الصهيونية، ولكن سيكون دوام التحالف بينه وبين "البيت اليهودي" مرتبطا، إلى حد ما، باستمرار التوصل إلى تفاهم حول عملية التسوية وامتيازات المستوطنين، خصوصا وأنّ دخول الحكومة قد يجعل "يوجد مستقبل" على تماس مع مطالب أميركية ودولية متعلقة بعملية سلام مختلفة. ولعل إصرار الحزب، حتى الآن، على مقعد وزارة الخارجية في الحكومة المنتظرة، دليل مبكر على خلاف محتمل في هذا الصدد.

[email protected]

التعليق