د.أحمد جميل عزم

إلى سعد جرادات.. رجعك صداك

تم نشره في الجمعة 1 آذار / مارس 2013. 02:00 صباحاً

تحدثتُ مع ابن اختك د. محمد فرحات، أستاذ علم الاجتماع، أسأله عن ابن اختك الثاني الذي ارتقى شهيدا قبل أيّام، على يد جنود الاحتلال في معتقل مجدو. أجابني بكلمة أحسستها مثقلة بالأيديولوجيا، ومغرقة في الإنسانية معاً: "ارتفع عرفات بالمظلومية"، و"ارتقى بمكرمة سماوية" إلى مستوى الرمز، "ربما رغما عنه".
ولد عرفات بعد أعوام قليلة من استشهادك العام 1976. كانَ ناشطاً، وجزء كبير من نشاطه في النضال المدني والمقاومة الشعبية؛ كان أباً وزوجاً، يعمل في محطة بنزين يمتلكها عمّه؛ كان إنساناً يحب الحياة ويريد تكوين أسرة. وإذا كان الثابت أنّه قتل ظلما، فيما تبقى التفاصيل الأخرى غائبة، فإنّي أحار كيف تتلقى شقيقتك - أمّه، هذا النبأ. لقد ظّل مآل جثمانك غامضاً بعد قيام "حزب الكتائب" بسحلك حيّا مجرورا بسيارة في بيروت.
ترك عرفات طفلين. أمّا أنت، فكما يخبرني خليفتك في قيادة السرية، القائد معين الطاهر، فقد كُنتَ في كامل أناقتك ترتدي بدلة الخطوبة، وتتجه لطلب يد عروسك، لتعلم في الطريق عن بدء هجوم لتخفيف الحصار عن مخيم تل الزعتر، فتتجه لتقوم بواجبك النضالي، وتقع في قبضتهم.
رجعُ صدى قتل عرفات هائل. ورجع صداك مُقيم.
قامت كتائب شهداء الأقصى، مجموعات مروان زلوم، بنعي عرفات باعتباره من أعضائها. ومروان أحد جنود كتيبة الجرمق المنبثقة عن السرية الطلابية التي قمت بتأسيسها وقيادتها حتى استشهادك، والتي حافظت بعدك على مناقبية أعضائها العالية، وتجنبهم المعارك الجانبية بعيدا عن إسرائيل. توزع شهداؤها على الساحات؛ قادوا ملحمة صمود قلعة شقيف في جنوب لبنان، ونزلوا الدوريات على الأرض المحتلة، واغتالوهم في قبرص.
وقف يوم الثلاثاء الماضي شاب في أول عشرينياته، قائد طلابي يقود المجموعات التي تتجه لمواجهة الجنود بالحجارة على الحواجز وأمام معتقل عوفر، ليسأل في ندوة للقيادات الطلابية في الضفة الغربية في أواسط الثمانينيات، إنّ كانوا يعرفون معلومات عن الكتيبة الطلابية "التي أنشأها سعد جرادات"! ها هو جيل يتتبع خُطاك؛ كيف تركت التدريس في جبل النصر في عمّان، وذهبت إلى لبنان جنديّا وقائداً، وانضممت لجامعة بيروت العربية.
تعلم أنّ كثيرا من أغاني الثورة الفلسطينية انتشرت ولم يعرف الناس، أو نسوا، اسم مغنيها، ومؤلفها، وملحنها. فمثلا، هناك أغان كتبها من هو الآن المفكر الإسلامي منير شفيق، منظر تياركم الماوي في ذلك الزمن. وأحيانا غنى طلبة أغاني في حفلة جامعية، فصار لها شأن وصارت وقودا للثورة. وهناك أغنيات تمجد شهداء انتفاضة الأقصى، يقوم عليها هواةٌ، يقتبسون ألحانا ليست لهم، ويضعون عليها كلمات يؤلفونها. يخطئ هؤلاء الشبان، وتكتنف الركاكة والاصطناع أعمالهم أحيانا، ولكن من يعرف الشهداء، ومن عاشهم وعاشوه، تصل تلك الأغنيات روحه. هناك مشروع أغنية لم تكتمل، زمنها أقل من دقيقة. لفتني أنّ أغنيات الشباب  تتحدث عادة عمّن كانوا معهم في انتفاضة الأقصى، ولكنهم يخاطبونك قائلين "سعد جرادات يا قائد، ثارك حي وما يموت، ورفاقك جند الأقصى ثاروا بوجه الجبروت".
ويقولون شيئا لافتا آخر: "على الالتفافي طالع". والالتفافي مصطلح جديد يشير إلى الطرق التي يقيمها المستوطنون لتفادي المرور في المدن والقرى الفلسطينيية، فبدأ الشباب بملاحقاتهم. والمستوطنون في مدينتك الخليل ربما لهم ثأر شخصي معك؛ فمن بين دوريات الجرمق التي دخلت الأرض المحتلة، مجموعة قامت العام 1980 بعملية الدبويا، في قلب الخليل، والتي يعتقد أنّها إلى جانب عملية إرسال المجاهدة عطاف عليان لاستهداف مقر الحكومة الإسرائيلية، العام 1987، هي سبب ذهاب الإسرائيليين خلف رفاقك حمدي، وأبو حسن، ومروان كيالي، واغتيالهم في قبرص العام 1988.
ولدت في "سعير" أواسط الأربعينيات، رحلت في السبعينيات، تبعك حمدي وأبو حسن في الثمانينيات، وظنوا أنّ اتفاقيات السلام أنهت الثورة. ولكن ممن عادوا مع أوسلو مروان زلوم الذي انضم للسرية بعيد استشهادك؛ قام بعملية "التياسير" عبر الحدود، وأسر في طوباس، وأطلق في عملية تبادل أسرى. وعاد بعد أوسلو وأسس مع جهاد العمارين، كتائب شهداء الأقصى، فغنى لك شباب آمنوا بهما، ليكون صوتهم ضمن رجع صداك، وما يزال الصدى يكبر.

[email protected]

التعليق