د.باسم الطويسي

حالة فقدان الوزن

تم نشره في الاثنين 25 شباط / فبراير 2013. 02:00 صباحاً

بتحديد موعد الانتخابات البرلمانية المصرية بعد أقل من شهرين، تدخل البلاد في نفق جديد على إثر إعلان معظم قوى المعارضة عن مقاطعتها للانتخابات المقبلة. وهذا يعني الكثير؛ إذ إن المعارضة تشكل ما يقارب نصف المجتمع، ويعني أن حالة السيولة السياسية العالية والتصعيد مستمرة، وسوف تأخذ اتجاهات لا يعلم أحد إلى أين ستقود قبل الانتخابات وبعدها.
بعد أكثر من عامين على الثورة المصرية، يرسخ الانقسام السياسي الداخلي حالة فقدان الوزن التي عانت منها مصر على مدى عقدين من حكم النظام السابق. وهذه المرة، تبدو مصر خارج حسابات الإقليم في الكثير من التفاعلات. والأخطر من ذلك أن حالة فقدان الوزن المرشحة للاستمرار، تأتي في الوقت التي تنتظر المنطقة تحولات من المتوقع أن تكون حاسمة، وسوف تحرك بحيرات راكدة منذ زمن طويل، تحديدا بشأن مصير الأزمة السورية، وتحريك ملف التسوية السلمية.
حالة السيولة السياسية غير الواضحة الملامح مربكة لكافة أطراف المعادلة المصرية. فاليوم، لا أحد يستطيع أن يرى أبعد من إصبعه، ولا أحد يستطيع أن يجزم بشأن ما سيحدث غدا، بينما أعداء الأمس الذين هشموا الإسلام السياسي فيما سمي بالحرب على الإرهاب، هم من يفتح الدروب الصعبة أمام القادمين الجدد. وهذا بحد ذاته ليس عيبا يدينهم، بل اللغز يبدو فيما ستفضي إليه هذه الحالة، وسط ما تشهده من غموض وعدم يقين وخوف على المستقبل.
الديمقراطية تلزم المعارضة، مهما كان حجمها ومهما كان لديها من مبررات بعدالة مواقفها، بالمشاركة في العملية السياسية، سعياً إلى تطوير قواعد عادلة لإدارة هذه العملية، وتحقيق الصالح العام من داخل العملية السياسية ذاتها. وتلزمها أيضا باحترام نتائج صندوق الانتخابات حال توفر شروط وضمانات نزاهته؛ أي إحداث التغيير بنفس الأدوات الديمقراطية السلمية. وهذا ما يحتاجه التكوين الاجتماعي-السياسي المصري، وهذا ما يمكن أن يواجه توظيف الدين في السياسة على المدى الطويل، ويورث الأجيال القادمة القدرة على استدامة معمار ديمقراطي حقيقي، ويؤهل لأن تكون مصر قاعدة لنشر هذه العدوى السياسية.
المسار الطبيعي للتاريخ الإنساني في هذا الجزء من العالم يقول إن هذه مرحلة لا بد منها، وأن العرب بحاجة إلى مرحلة الانتقال من حالة الشعوب النيئة إلى حالة الشعوب الناضجة، والتي قد تحتاج إلى حالة من الطبخ على نار مستعرة، ربما حتى نهاية القرن الراهن؛ سيشهدون فيها صراعات وحروبا أهلية وإقليمية ودولية وفتنا.. وقس على ذلك من أحوال، حتى يدخلوا في عملية تاريخية جريئة ودقيقة، تقود إلى إصلاح ديني حقيقي يعيد ميلاد المجتمع والدولة من جديد، على أسس مدنية وديمقراطية.
هذا المسار التاريخي الذي مر به الغرب، مرت به جماعات ثقافية أخرى، عرفت تجاربها صخبا أقل مما أحدثه الغرب عبر حروبه وثوراته واقتتاله الداخلي، وصولا إلى تصدير حروبه إلى العالم حتى استقر به الحال  كذلك، مرت بهذا المسار شعوب في الشرق الأقصى باختلاف دياناتها الأرضية والسماوية وفلسفاتها .في المقابل، لا أحد يستطيع أن يدّعي أن هذا المسار إجباري أو قدر محتوم، وأننا سنستهلك أجيالا ونحن ننتظر حركة إصلاحية اجتماعية كبرى، وتنويرا عربيا إسلاميا حاسما.
النظام العربي الجديد يولد مرة أخرى مشوها، واكثر ملامحه غياب مصر وضياع لونها. ومهما اشتدت الأزمة الداخلية، فلن تنزلق مصر إلى حرب أهلية، وأكثر ما تخسره في غيابها هو استعادة وزنها الإقليمي الذي يحتاج، أولا، أن تستعيد النخبة السياسية التوازن بينها.

[email protected]

التعليق