تبديد الثروات والحاكمية الغائبة

تم نشره في السبت 23 شباط / فبراير 2013. 02:00 صباحاً

ذات حديث عن الثروة في الأردن، مع كبير الخبراء في البنك الدولي مصطفى النابلي، اختلف معي في الرأي حيال فقر الموارد، وتضاؤل الثروات الطبيعية. فقد كنت ذهبت إلى أن البلاد تعاني من شح مزمن في المياه، ومثله نقص في إمدادات الطاقة. لكن المسؤول الاقتصادي شدد -قبل 15 عاما- على أن الأردن قادر على النهوض باقتصاده، وتطوير حياة سكانه، من ثروات التعدين فقط، بدون أن يتطرق للصخر الزيتي أو سواه من موارد السياحة وخدمات التجارة والمال التي كانت ناشئة آنذاك، وحققت قفزات في سنوات لاحقة.
دراسات البنك الدولي عن الفوسفات الأردني كانت تعرف جيدا حجم الثروة والأرباح المتولدة عنها، إضافة إلى أساليب اكتساح الأسواق الهندية والآسيوية عموماً بهذه المادة التي شهدت وما تزال طلبا متزايدا، ترافقه ارتفاعات في الأسعار ضمن بورصة السوق العالمية.
لكن الحديث عن عمق الموجودات من الفوسفات ووفرتها، ارتبط لدى شخصية النابلي الاقتصادية بمدى نجاح الحاكمية في إدارة هذا المورد الاستراتيجي. وللأسف، فقد مني هذا المورد، ومعه الشركة وقبلهما المواطن الأردني، بخيبة فساد كبيرة، أتت على أي تحسين محتمل للواقع الاقتصادي.
معلومات الأسبوع الماضي التي أظهرتها التحقيقات في ملف شركة الفوسفات، ومدى تورط رئيس مجلس إدارتها السابق وليد الكردي، تثير كل من يتابعها، وتشعره بحجم الخديعة التي تلقاها الاقتصاد الأردني على امتدادا العقدين الماضيين. ففروقات أجورالشحن فقط تفوق 42 مليون دولار خلال ثلاث سنوات، بين 2008 و2011. ومن ضمن هذا المبلغ الكبير، اتضح أن الفرق في أجور البواخر بلغ 8 ملايين دولار، وهي فروقات ذهبت بمجملها إلى "استرا جلوبال" و"سنومكس"، ولا أحد يدري عن حجم شبكة المصالح والفساد التي مرت بها تلك الفروقات!
وفي موازاة ذلك، أظهرت التحقيقات أيضا أن شبكة العلاقات والمصالح المتشابكة حاضرة بامتياز بين من يدير الشركة وشركات أخرى تستفيد من أساليب وأنماط تسويق وبيع الفوسفات التي تتغير وتتبدل بتغير المصلحة الذاتية لمن يقرر في "الفوسفات"، ويملك شركات أخرى ذات مصلحة مباشرة مع شركة مناجم الفوسفات. وفي التفاصيل، ثمة أبناء وبنات وابن أخت وأنسباء وأصدقاء.. وشبكة مصالح لا تنتهي.
الشركات الوسيطة في بيع الفوسفات كثيرة، والسعر الذي يباع به يقل عن السعر العالمي بكثير، والعمولات موجودة في كل جزء من هذا المسار الفاسد. وفي الوقت الذي كانت فيه العقود، لاسيما لبيع السماد، تتم من قبل إدارة التسويق والمبيعات قبل خصخصة الشركة، أصبحت العقود جاهزة بعد الخصخصة في مكتب الرئيس التنفيذي، وألغي دور إدارة التسويق والمبيعات. وكانت فروقات أسعار الأسمدة تصل إلى 120 دولارا في الطن الواحد، بين ما يتم بيعه إلى شركة "أسترا" (الوسيطة) وما يباع إلى الشركة الهندية، حتى إن بعض الفروقات بلغ في عام واحد أكثر من 7 ملايين دينار في الأسمدة وحدها، وكانت تشكل هذه الخسارة منفردة أكثر من ربع أرباح الشركة المعلنة.
عودة إلى حديث النابلي عن الحاكمية في الشركات، وحسن إدارة وتوزيع واستغلال الثروات، فإنه لو تحقق ذلك لكنا اليوم في حال أفضل، ولكانت المليارات التي أهدرت في التعدين وغيره سببا في إقامة البنية التحتية، وبناء الاقتصاد، وتحسين شروط حياة الأردنيين. لكن ذلك لم يحصل، والمأمول أن يبدأ الأردنيون مرحلة جديدة في العلاقة مع ثرواتهم ومواردهم، قوامها الحاكمية والنزاهة والرقابة على كل عقد قبل توقيعه. وبخلاف ذلك، فلا فائدة مرجوة من أي مصدر للثروة، حتى لو غرقت صحراء الأردن بالنفط؛ فالسؤال الأساسي هو عن كيفية إدارة الثروة، والمخاوف دوما من تبديدها؛ إما بسوء الإدارة أو بالفساد.

hassan.shobaki@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ليس هذة الادارة (سس)

    السبت 23 شباط / فبراير 2013.
    الفساد كان موجودا في الادارات السابقة لشركات التعدين الاردنية وذلك حسب مكانت رئيس مجلس الادارة والمدير التنفيذي ومدير التسويق وتقاسم المصالح بينهم