مواجهات جوّانية!

تم نشره في السبت 23 شباط / فبراير 2013. 02:00 صباحاً

بحكم اقتنائي لبعض الأمراض الأليفة، المزمنة، وكلما مررتُ بوعكةٍ عابرة، انهالت عَلَيَّ نصائح الأصدقاء، وحكمتهم، حول ضرورة الأكل خمس مرات في اليوم، وتنظيم الوجبات، بل وحساب السُعرات في الوجبات، .. ويركّز هؤلاء الأصدقاء اهتمامهم غالبا (بحكم ما يسمعون في التلفزيونات) على أهمية وجبة الإفطار.
ويضيفون بشماتة: أنت لم تعد حتى ترى بدون (النظّارات)!
وأحاول تمييع الموضوع؛ فأقول مازحاً إنني أعرفُ كثيرين ماتوا في نفس اليوم الذي تناولوا فيه الإفطار!
لكنني في الوعكة الأخيرة أخذتُ أصدقائي، والإفطار، والتلفزيونات، على محمل الجد، وفكرتُ بأن العمر ليس لصاحبه وحده، فثمة شركاء لك فيك، وعليك أخلاقياً على الأقل، أن تكون متعاوناً مع النصائح وخبراء التغذية، الأنيقين والجميلات، وان تُلقم جسمك هذه الاحتياجات ولو من باب الواجب!
بالمناسبة تستهويني أحياناً كثيرة مهنة "خبير التغذية"؛ مع أننا لو احتكمنا لمنطق الأمور فإن أفضل من يتحدث عن فوائد التغذية هو شخص يعاني من سوء التغذية!
وضعتُ كيس النصائح بجانب كيس الأدوية، وفكّرتُ جدّياً بأن أصير كائناً متجاوباً، وأن أتفهم طبيعة عمري، وأن التدلل على الأمراض لم يعد وارداً في سن كهذه، وتجاهل الأعراض السيئة لا يعود سوى بأخبار أسوأ!
لكنني حين قررتُ كل ذلك، وجدتُ أن التعامل مع الأكل كمهمة لحماية الجسم والصحة، ليس أيضاً مجرد قرار سهل، وعليك أن تقنع كل عائلة الحواسّ به!!
فالذي حدث أنني فقدتُ الشهية تماماً، وبالكامل، حين وجدتُ جسدي يملي شروطه عَلَيّ!!
شيء ما لا علاقة له بالوعي الظاهر، شيء حدث في مستوى ما من مستويات اللاوعي، جعلني لا أحتمل رائحة الأكل، ولا أقوى حتى على تناول ما كان أشهى الأطباق لَدَيّ. وفهمتُ الأمر أنه رسالة تحدٍ يرسلها الشخص المتمرد في داخلي مفادها أنه لا يقبل بأن يصير رهن رغبات وشروط الجسد، وأن يلتزم بالوجبات منذ الآن بناء على شروط الجسد الذي صار يلوّح بورقة تهديد: العمر والأمراض!
وبدا الأمر كما لو أن معركة قاسيةً تحدث، وأنني سأكون الضحية، في هذا الصراع بين روحٍ تأبى الاعتراف بكهولتها، وتصرّ أنها قادرة على مواصلة حياة العبث واللامبالاة والكسل عن الأكل، وبين جسدٍ ضعف بعد طول احتمال وصار يئنّ! ولأن الشهية من جنود الروح فقدتُ شهيتي للأكل بالمرّة، ولأن المشي والحركة من الأوراق الرابحة في يد الجسد، فقدتُ قدرتي على الوقوف وأصابني دوار دائم لا يفارقني!
..
لكنني أظلّ أقول لحالي إن كثيرين ممن ماتوا أمس كانوا قد تناولوا 3 وجبات على الأقل، فتضحكُ مني ساخرة وتمدّ يدها الدائخة تستند على الحائط!

[email protected]

التعليق