د.أحمد جميل عزم

امرأة.. مناضلة.. إنسانة

تم نشره في الجمعة 22 شباط / فبراير 2013. 02:00 صباحاً

تختلف وجهة نظر الأسير الفلسطيني الشيخ طارق قعدان، والمضرب عن الطعام منذ أشهر، عن تلك الخاصة بالشيخ راشد الغنوشي، زعيم حركة "النهضة" التونسية. فالأول، يرسل رسالة لشقيقته الأسيرة منى، والأسيرة منار زواهرة، من مستشفى سجن الرملة، يستهلها بالآية القرآنية: "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى"، مستدّلا منها أنّ "الرُسل رجالٌ، ولا يكونون إلا من جنس الرجال، ولم يوح الله لأنثى قط". أمّا الغنوشي في كتابه "المرأة بين القرآن وواقع المسلمين"، فيذهب إلى أنّ مريم بنت عمران، وآسيا امرأة فرعون، نبيّتان، وهناك نبيّاتٌ أخريات. ويستشهد الغنوشي بفصل "نبوّة النساء" في كتاب "الفصل في الملل والأهواء والنحل" لابن حزم، ليدلل على أنّ الله أرسل ملائكته لنساء أخبرهن بوحي.
يتفق قعدان والغنوشي على تكريم المرأة. إذ يسرد قعدان نماذج أسيرات خُضن الإضراب عن الطعام، مبتدئا من عطاف عليان التي شرعت في عملية ضد مبنى الحكومة الإسرائيلية العام 1988، واعتقلت وأفرج عنها العام 1997، ليعاد اعتقالها إداريا فتضرب عن الطعام أربعين يوماً إلى أن تتعهد إدارة السجون بعدم تجديد الاعتقال. وكذلك شقيقة طارق، منى، وهي الآن في الاعتقال الخامس، وخاضت في الماضي إضرابين عن الطعام؛ أحدهما العام 1999 توّج بالإفراج عنها بإلقائها على الطريق في وضع صحي صعب، ليُعاد اعتقالها وتعاود الإضراب العام 2011. وبعد سرد تجارب إضراب نورا الهشلمون، وهناء شلبي، ولينا الجربوني، يرجو طارق "أختاه" منى ومنار أن لا تقدما على الإضراب "ولا تحمّلننا قلقا وهمّا فوق هم".
تكبر منى طارق عاماً. قالت له أمّه يوماً: "أنت تدمرها بتشجيعك". فرد: "هي هكذا جينيّا، في الحمض النووي، وأنت مسؤولة أكثر مني عن هذا الأمر". وقال: "هي لا تنثني للتهديد ولو أزبد الأعداء وبالغوا في تهديدهم ووعيدهم ولا تنطلي عليها المسائل...".
اختارت منى الزواج من الأسير إبراهيم إغبارية، المحكوم ثلاثة مؤبدات وخمسين سنة، والمعتقل منذ العام 1992.
في نظريات "الفمنزم"، تشارك المرأة زمن الحروب والاحتلال الرجل، الذي يغيب مناضلا أو مقاتلا، المعاناة بتحمل مسؤوليات البيت والعائلة. ولكن من يرون نبوة النساء، ويرون نضال رسمية وعائشة عودة، وليلى خالد، وفاطمة البرناوي، وسونيا الراعي، وعبير الوحيدي، وأخريات كثيرات، يرونهن في الخندق المتقدم.
تقول طفلةٌ متأثرة بمحيطها العائلي: "من يريد أن يكون فدائيا لا يجب أن يكوّن عائلة ويصبح أبا". هناك أسرى طلبت نساؤهم الطلاق، ولم يقمن بتربية ابن تركه الأسير نطفة في الرحم يوم اعتُقل، وتزوجن. وأسيرات انعزلن بإحباط بعد الخروج من المعتقل. ويتجرّع الأسرى المضربون إهمال السياسيين والفصائل لهم، وتأخر الشارع في مناصرتهم.
لا يعني النضال بالضرورة وجود توافق زواجي في حياة المناضل أو المناضلة. فقد طّلق الزعيم التاريخي لنضال جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا، زوجته ويني، العام 1996، بعد 38 عاما من الزواج. كان مانديلا رئيسا للبلاد، خرج العام 1990 من 27 عاماً من الاعتقال. ونافحت جميلة إسماعيل بشدة عن زوجها أيمن نور، المُعتقَل بعد تنافسه على الانتخابات الرئاسية المصرية العام 1996. ثم لم تفلح دموعه ومناشداته لها على شاشات التلفزة في جعلها تغير قرارها بالطلاق العام 1999. وهذا يعني أن تأجيل الطلاق كان تضحية أحيانا! وأُعلنت قصة زواج من المعتقلات أواسط التسعينيات بين أسيرة وأسير، واستمر الزواج (الخطبة) سنوات وهما في المعتقل، وحدث الانفصال. وبعد عامين، تزوجت الأسيرة المحررة من أسير سابق وأصبحت أمّا، فيما خرج الأسير الأول من المعتقل العام الماضي.
في المقابل، تزوجت أحلام "الحمساوية" ونزار "الفتحاوي" وكلاهما في المعتقل، وأتمّا الزفاف بعد خروجهما. وفي تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، تزوجت إيمان نافع الأسيرة سابقا لعشرة أعوام، من عميد الأسرى السابق نائل البرغوثي، بعد اعتقال دام 34 عاما.
تخاطب أم رأفت، والدة الأسير البطل المضرب عن الطعام منذ أشهر، سامر العيساوي، بقولها: "إن عشت فعش حرا أو مت كالأشجار وقوفا". ثم تبكيه. وتكبر أخته شيرين التي تقود مناصرته عشرين عاما في شهرين. ويغمى على أم أيمن الشروانة في خيمة التضامن.
يدفع الأسير والأسيرة وعائلاتهم ثمنا من عمرهم وصحتهم وحياتهم وعواطفهم. ويبقى السؤال الأكبر: أين المجتمع والسواد الأعظم المتفرج عليهم؟

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق