إبراهيم سيف

إخراج "الموازنة" من حيز السياسة

تم نشره في السبت 9 شباط / فبراير 2013. 03:00 صباحاً

مع الانتخابات النيابية التي عقدت، وتواصل تشكيل الكتل في مجلس النواب، سيكون أحد المواضيع الأولى التي ستقترح على البرلمان الجديد هو إقرار الموازنة العامة للسنة المالية المقبلة. وعادة ما يشكل إقرار الموازنة، وما يرافقها من ماراثون الخطابات والمطالب، مناسبة لتسجيل المواقف السياسية. وفي حال استمرار العمل المؤسسي على ما هو عليه، فإنه لا يتوقع أن يتغير صنع السياسات المالية.
وفي هذه العجالة، نقترح تشكيل مجلس يتولى الإشراف على مراقبة مؤشرات المالية العامة، ويحدد المعايير الأساسية التي يجب أن تحكم عمل المالية العامة، سواء ما يتعلق منها بالعجز، وحجم الدين، وأسس الاقتراض، وحصيلة الضرائب، ومصادر الإيرادات. فهذا الإطار الكلي الذي سيحكم وضع المالية العامة، يُخرج الموازنة من باب التجاذبات السياسية، ويجعل الأمر مهنيا تكنوقراطيا خالصا.
والدعوة هنا ليست إلى خلق جسم بيروقراطي جديد، بل مقاربة جديدة وتوظيف للقدرات الموجودة، يحددان المعايير، ويوسعان دائرة المشاركة في صنع القرار. فالمجلس المقترح يجب أن يضم ممثلين من المجلس التشريعي، والحكومة بطبيعة الحال، وممثلي مجتمع مدني، وعددا من الخبراء المستقلين. وهناك اتجاه متنام عالميا، في أوروبا وغيرها، لبناء قدرات مؤسسية تساعد في مراقبة أداء المالية العامة، وتقييم عملها بحيادية وموضوعية.
وفوائد هذا النوع من التخطيط أنه يحسن القدرة على التنبؤ بالقرارات الاقتصادية المقبلة، وما يتعلق منها بحجم الإنفاق والضرائب. كما يُخرج المالية من تأثير الساسة الذين عودونا على التوسع في الإنفاق على حساب العجز والمديونية، ثم تأتي الحكومات اللاحقة لاتخاذ القرارات الصعبة، فتحظى الحكومة التي تسعى إلى ترشيد الإنفاق بشعبية متدنية، مقابل شعبية مرتفعة، مع خزائن فارغة، للحكومات الراحلة. ومن شأن تحديد ما يوصف بـ"الغلاف المالي" لفترة متوسطة مدتها خمس سنوات، توفير الكثير من الجهد على وزراء المالية والحكومات، إذ يستمر المجلس المقترح في عمله بغض النظر عن تغيير الأشخاص، ونخرج لأول مرة من مزاجية الأشخاص الذين يغيرون السياسات حسب أهوائهم، وبدون حساب، سواء من القاعدة الانتخابية أو أي جهة أخرى.
أهمية المالية العامة لا تتعلق فقط بالعجز والمديوينة، بل تتجاوزهما إلى مؤسسات أخرى عليها توفيق أوضاعها وفقا لمحددات واضحة. وقد يجادل البعض بأنه ستكون هناك فروقات، مع الحاجة إلى بعض المرونة. وهذا متفق عليه، ويمكن العمل على تحديده من خلال وضع حدود عليا للفروقات من ناحيتي الإيرادات والنفقات، والتي لا يمكن الخروج عليها بأي شكل من الأشكال. فإذا كانت هناك حاجة إلى زيادة النفقات، فعلى الحكومات المعنية البحث عن مصادر إيرادات وتأمينها قبل اللجوء إلى الخيار الأسهل المتمثل في الاقتراض. كذلك، يمكن وضع شروط مشددة على الاقتراض، سواء من مصادر محلية أو خارجية، بحيث يتم الربط بين الاقتراض والمشاريع التنموية الاستثمارية ذات الأهداف الواضحة التي يمكن قياسها ومتابعتها.
أمام مجس النواب الجديد فرصة لاجتراح مقاربة جديدة في التعامل مع المالية العامة، لطالما احتاجها الأردن الذي يمر، وبشكل متلاحق، بأزمات مالية تجعل التنبؤ بما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع عند كل نهاية سنة مالية مسألة صعبة، وتهز ثقة المستثمرين. وتجربة الأردن في إصدار قانون الدين العام (الذي لم يحترم) جديرة بالدراسة. ويجب من الآن فصاعدا الاتفاق على أن رفع سقف الدين والعجز تتحمله  حكومات وأجيال لاحقة، ولا يمكن قبول أن تمرره حكومة ما وتمضي.
المسألة الأخيرة تتعلق بملاحق الموازنة التي يجب التوقف عن إصدارها؛ فهي تعبير صارخ عن سوء التقدير الذي يلازم المالية العامة. والحديث عن المالية العامة ينطبق على كافة المؤسسات المستقلة وميزانياتها. فهل تتخذ الخطوة الأولى في إصلاح المالية العامة، قبل التطرق إلى الضرائب التي تحتاج مقاربة أخرى؟

ibraheem.saif@alghad.jo

التعليق