مصر: النوع الثالث من الثورة المضادة

تم نشره في الخميس 7 شباط / فبراير 2013. 02:00 صباحاً

"الثورة المضادة" مصطلح يُعبّر عن ثلاث عمليات (أنواع) رئيسة. أولاها، محاولة إجهاض ثورة بتحرك مضاد مماثل في الشكل؛ فالثورة الشعبية يواجهها تحريك جموع للتصدي لها. والعملية الثانية، هي محاولة استعادة نظام سابق بعد أن يسقط. فيما الثالثة، محاولة استعادة الأوضاع السابقة، وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه زمن النظام السابق.
وبقدر ما تكون "الثورة المضادة" عملية لإجهاض تغيير ما، بقدر ما تستخدم ذريعة دكتاتورية لتبرير الانقضاض على الخصوم، وتبرير القمع.
ما يحدث في مصر هو درس مهم في نظرية "الثورة المضادة"، وكيف تحدث، وكيف تنقسم القوى الثورية على نفسها، فتنجح الثورة المضادة. كانت موقعة "الجمل" محطة فشل الوجه الأول من الثورة المضادة (الإجهاض)، والانتخابات ومناورة أحمد شفيق مثلت محطة فشل الوجه الثاني (استعادة النظام)، وما يجري الآن هو الوجه (النوع) الثالث، أي استعادة أوضاع النظام السابق.
أبشع وأسوأ حالات استعادة أنماط الحياة في زمن النظام السابق، هي حالات التحرش الجنسي التي وصلت مرتبة الاغتصاب الجماعي على مرأى الناس في ميدان التحرير، رمز الثورة المصرية الأول. ورغم تعقيد ظاهرة الاعتداء الجنسي هذه من ناحية معانيها الثقافية والنفسية، فإنّها موجهة في ثلاثة اتجاهات: أولها، إعلان "بلطجية" الزمن الماضي استعادتهم زمام البلطجة، والرشوة، والفساد. وثانيها، ضد شباب وبنات الثورة الذين أوجدوا ميدانا كان لأشهر رمزا للأمن الاجتماعي واحترام الآخر، وشكّل استدارة إنسانية ثورية حضارية، تعلن أنّ اختلاط الجنسين يمكن أن يكون بدون اعتداء أو تجاوز، ويمكن أن يضع الناس معا من مختلف الطبقات والأعمار والجنس. والاتجاه الثالث ضد نظام الإخوان المسلمين، وتحديهم بأنهم لا يستطيعون الحكم أو ضبط الشارع، سواء بأجهزة رسمية أو شعبية. إذن، الثورة المضادة في مصر الآن هي من النوع الثالث؛ شيء تقوم به "فلول" رثّة، ومجموعات ممن استُخدموا في زمن سحق الإنسان ليكونوا مخالب للفساد وغياب القانون. وهؤلاء الذين بدا أنّ الثورة دفنتهم وهزمتهم، استفادوا من سوء تقدير القوى الثورية، والنظام الجديد.
مارس نظام الإخوان المسلمين "ثورة مضادة" عندما حاول استخدام أدوات الزمن الماضي، بتحصين قرارات الرئيس محمد مرسي ومنع مساءلته قضائيا، وبالنكوص عن وعد "التوافق"؛ فعمل مرسي على تمرير الدستور بدون جهد كاف للتوافق مع القوى والقيادات الثورية، وبتعطيل القضاء، وذلك بذريعة الحاجة إلى مهلة استثنائية في ظرف استثنائي لحين إتمام التحول الديمقراطي، بدل أن يكون الاستثنائي هو التوافق، حتى لو أعطت الانتخابات الإخوان أغلبية صناديق الاقتراع.
التحق "الإخوان" بالثورة رسميا فقط بعد أن بدأت الكفّة تميل لصالح الثوار. وبقيت الجماعة الرسمية متأرجحة بين المطالبة بإصلاح النظام السابق ومهادنته، وبين الانضمام علانية للجموع المطالبة برحيله. ويشكل هذا الالتحاق المتأخر نسبيا ذريعة قوى ثورية نزلت إلى الشارع منذ ما قبل اليوم الأول، للامتعاض من الفوز الإخواني انتخابيا، والتهديد أنّ الإخوان "يخطفون" الثورة، و"يُأَخونون" الدولة. ويخطئ هؤلاء خطأ قاتلا مزدوجا، ويعجزون عن الاستمرار بالنهج الثوري. ففي موقفهم ثغرتان: الأولى، عدم الوقوف بوضوح  ضد التحاق الفلول بهم. ففي سياق التصدي للإخوان، انزلقوا للسماح لقوى الثورة المضادة باستخدامهم، والنفاذ من بين صفوفهم. أما الثغرة الثانية، والتي يتقاسمونها مع شباب الإخوان المسلمين، فهي عدم القدرة على صيانة الزخم الشعبي الثوري؛ إذ لم يتم التسامي على الانقسام السياسي وفرض نهج لاعنفي ومدني في الاحتجاج، يحافظ على حضارية الاحتجاج. وهذا أمر من أسبابه تغلغل "الفلول"، واتجاه شباب الإخوان إلى إحباط الاحتجاجات بالعنف، بممارسات من نوع حصار المحاكم، والتدخل لفك الاعتصامات بالقوة.
ببساطة، أخلّ الإخوان المسلمون بعقد ووعد "التوافق" الذي تعهد به مرسي أثناء حملته الانتخابية، بينما سمح الثوّار للفلول باختراقهم. وإذا كان فشل موقعة الجمل هو أول محطة مهمة على صعيد فشل "الثورة المضادة" في إجهاض الثورة، فإنّ مجزرة التحرش الجماعي هي محطة خطيرة، لا يجب أن تؤدي إلى فرض استعادة مجتمع وثقافة ما قبل الثوّرة. يمكن "لجبهة الإنقاذ" و"الإخوان" أن يواصلوا لعبة تبادل الاتهامات؛ فيستمر الإخوان في معاندة حقيقة أنّهم ليسوا وحدهم في الميدان، فيما يواصل "الإنقاذيّون" غضبهم من فوز الإخوان نتيجة ما يرونه ثورتهم، ولكن النتيجة هي: خسارة الثورة.

[email protected]

التعليق