محمد أبو رمان

حركة دوران

تم نشره في الاثنين 4 شباط / فبراير 2013. 02:00 صباحاً

إذا أردنا أن نقف على الأرض اليوم، ونقرأ الواقع كما هو، ونعبر إلى المستقبل برؤية واضحة، فمن الضروري أن نتذكّر أنّنا نعاني من أزمة مالية ومعضلات اقتصادية بنيوية. إذ لدينا عجز مزمن في الموازنة، وارتفاع في المديونية متراكم، ونفقات جارية تأكل عملياً 85 % من الموازنة، ونسبة بطالة واقعية بين الشباب تصل إلى 40 %، وفجوة متنامية بين الطبقات الغنية والفقيرة؛ تساهم في تعزيز الفساد الإداري والأزمات الداخلية والاحتقانات، وتجرح السلم الاجتماعي. كما أن هنالك اختلالات جوهرية في العلاقة بين مخرجات التعليم وسوق العمل، وعجز كبير في البنية التحتية والخدمات الأساسية، واختلالات واضحة في سوق العمل، هذا فضلاً عن الأزمات المزمنة؛ مثل ضعف الاستثمار في المحافظات، ومحدودية المشاريع التنموية.. إلخ.
الحديث عن أولوية الأخطار الاقتصادية-الاجتماعية لا يعني التخلي أو التراجع عن أولوية وأهمية مطالب الإصلاح السياسي، وضرورة الانتقال نحو نظام ديمقراطي حقيقي، بل على النقيض من ذلك، ثمة ربط عضوي وعميق بينهما.
ذلك يقودنا، مرّة أخرى، إلى الرؤية الاستراتيجية التي أطلقها د. عمر الرزّاز مع بدايات الربيع الديمقراطي العربي، عندما ربط بين الأنظمة السياسية السابقة والعلاقة الريعية المختلة، أي الاعتماد الهائل من المواطن على الدولة، وتضخّم القطاع العام، ما يرفع من حجم النفقات الجارية. وهو ما يشكّل اليوم عائقاً ومنعطفاً حقيقياً أمام الثورات الجديدة، وأي محاولات جادّة للإصلاح السياسي!
صحيح أنّ جزءاً أساسياً من المشكلات الاقتصادية العربية عموماً مرتبط بغياب الديمقراطية والحاكمية الرشيدة، مع فشو الفساد وانعدام الشفافية والتزاوج بين السلطة والمال، وتكريس مصالح فئات محدودة على حساب الأغلبية؛ وصحيح كذلك أنّ إعادة تدوير الموارد والنفقات يساعد كثيراً في التخفيف من حدة الأزمات الاقتصادية. لكن علينا ألا ننسى في البداية جوانب مهمة وخطرة في تلك الأزمات، تتمثّل في التعليم والأميّة، وضعف الاستثمارات، وغياب دور القطاع الخاص في التنمية الوطنية، والاعتماد المبالغ فيه على الدولة والقطاع العام.
محلياً، يبدو الترابط بين التحديات الاقتصادية والأزمة السياسية وثيقاً جداً. فإذا أردنا عبور هذا المنعطف التاريخي، والتفكير بعقلانية وواقعية في المستقبل والمرحلة المقبلة، فإنّ علينا إدراك ضرورة القيام بـ"حركة دوران" حقيقية في إدارة الشأن العام. وذلك يتم عبر الاعتراف بأنّ المعادلة الاقتصادية-الاجتماعية الراهنة المتآكلة لن تعبر بنا إلى المستقبل، وأنّنا بحاجة إلى التفكير في صيغة عقد اجتماعي جديد بيننا أولاً، ومع الدولة تالياً.
العقد الاجتماعي الجديد يهدف إلى تجاوز التقاسم التاريخي المعطوب داخل المجتمع بين القطاعين العام والخاص، واجتراح مسار واضح للمواطنة بوصفها حجر الأساس في الدولة والمجتمع، نخرج بها من المنطقة الرمادية -سياسياً واجتماعياً- التي طغت على الفترة الأخيرة، وأدت إلى نمو الهويات الفرعية، وتهشيم السلطة الأخلاقية للدولة؛ ونعيد صوغ رسالة الدولة من جديد: أين تقف، وما هي واجباتها ومسؤولياتها وحقوقها. وفي المقابل، ما هي واجبات المواطنين، وما هي حقوقهم، بوضوح.
ذلك يترجم من خلال خطة زمنية نركّز فيها على إعادة هيكلة سوق العمل، والتخلي تدريجياً عن العلاقة الزبونية، مقابل تنمية المحافظات وتعزيز القطاع الخاص، وتحسين قوانين العمل، وتطوير البنية التحتية، وهذه وتلك من قضايا استراتيجية كبرى تتطلب نقاشاً معمقاً وكبيراً بين القوى والأحزاب والحراك والدولة، لكنه إلى اليوم ما يزال مفقوداً! 
السؤال الآن هو: ماذا نريد؟ هل نسعى إلى الخروج من الأزمة السياسية-الاقتصادية المركّبة عبر تحولات جديّة وخطاب جديد خارج سياق المناكفة والدوران حول الذات؟ أم نعمل على تكريس هذه الأزمات ومراكمتها وتعقيد الخروج منها أكثر؟!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »العودة الى تعاون القطاع العام والخاص (عصام عبدالرزاق الاحمر)

    الاثنين 4 شباط / فبراير 2013.
    " سنحمل السلم بالعرض " تم بناء الأردن الحديث اقتصاديا بتعاون القطاع العام والخاص معا. فما المشاريع الكبرى من كهرباء وفوسفات وبوتاس واسمنت ومصفاة الخ , تمت بتعاونهما . وقد تصدى القطاع العام لبناء المشاريع التى أحجم القطاع الخاص على الأستثمار بها خوفا من خسارتها كالاتصالات والموانيء والسدود الخ , حتى هبوب رياح " الخصخصة "التى أطاحت بفكرة التعاون "معا" طمعا فى" الشريك الأجنبي " بنقل الخبرات وحسن الأدارة. ففقدنا أموال " الخصخصة " صندوق الأجيال بشراء وتسديد ديون , وأصبحنا وقد أصبحت المديونية فلكية, وان رفع كافة أنواع الدعم لا يستطيع أن يسدد فوائد المديونية . والعودة الى نظامنا الاقتصادي " البائد " الوسط ما بين النظام الرأسمالي والاشتراكي واقتصار دور الحكومة على مراقبة الأداء كفيل بايجاد مشاريع تساهم فى القضاء على البطالة, وذلك بتثبيت المواطن فى قريته أو مدينته لا بالهجرة الى المدينة " الدولة " عمان , الشرق والجنوب " شبه " خال من السكان فلنتوسع بهما بعد أن ضاق " الغرب " علينا , وبالحوافز يمكن أن نستثمر خيرات البادية الأردنية والأرض لمن أحياها.
  • »اخر العلاج الكي! (Sami)

    الاثنين 4 شباط / فبراير 2013.
    ما نريد يا سيدي هو قرار شجاع بانهاء العلاقة الريعية, و بأن اي موظف دولة زائد عن الحاجة و لا يمكن الاستفادة منه في مواقع اخرى في الدولة او انتاجيته منخفضه يجب ان يفصل من العمل الحكومي وبهذا يجبر كل الموظفين على العمل و زيادة الانتاجيه والتعلم و تنمية خبراتهم و قدراتهم حتى تزيد تنافسيتهم. اما ان تظل الدولة تجبي الضرائب من الناس التي تعمل و تكد لتدفع رواتب الناس التي تذهب للعمل لتشرب شاي و قهوة و تقرأ الجريده فسنظل ندفع 85 من الموازنه رواتب و نظل من اكثر الدول مديونية و اقلها انتاجية.
  • »هل فعلا هناك علاقة ريعية (سفيان المحيسن)

    الاثنين 4 شباط / فبراير 2013.
    شكراً يا دكتور محمد على اثارة مجموعة من القضايا ضمن هذا المقال مع عتبنا على تسرعك في تبني اراء بعض المروّجين بان في الاردن علاقة "ريعية" او "زبونية" وأن هناك "اعتماد هائل من المواطن على الدولة". للاسف يا دكتور محمد هذه الاراء تفتقر لكثير من الصحة فالواقع الذي نعيشه يؤكد أن الدولة تعتمد على جيب المواطن فالمواطن هو من يقوم بدعم الدولة وليس العكس وما قضية رفع الاسعار مؤخراً بدعوى تحريرها في ضل تضارب المعلومات حول معادلات التسعير الا دليل على ذلك فضلا عن عدد ومقدار الضرائب التي تستوفيها الدولة من المواطن دليل آخر...... بالمقابل يفتقر المواطن الاردني لابسط حقوق المواطنة وهي مجانية التعليم الجيد والرعاية الصحية. لابل ايضا اضف لذلك تدني مستوى خدمات البنية التحتية كما جاء في مقالك. نرى كثير من المفارقات في الواقع الذي نعيشة فالدولة تريد أن تحرر الاسعار والسوق ولكنها بنفس الوقت تريد الاستمرار بالاحتكار ففي أي منطق او نظرية اقتصادية يتم هذا النهج، والدولة تريد ان تقلل من اعتماد المواطن عليها بينما تلجأ لجيب المواطن عند اول هزة مالية لها. اذا كانت العلاقة ريعية فما تفسير ارتفاع نسب الفقر والبطالة وتلاشي الطبقة المتوسطه.
    اذا كان هناك تضخم في جهاز القطاع العام فليس المواطن المسؤول عن ذلك بل سياسة تعيين المسؤولين بلا اعتبار لقواعد الكفاءة والمقدرة والمسؤولية والنزاهة فلا يوجد في علم الادارة عامل فاشل بل مدير فاشل وهذا ينطبق على كل مستويات الادارة في الدولة. في الوقت الذي تتباهى وتتبارز شركات القطاع الخاص (في العالم) بتوسيع مساحة مسؤولياتها الاجتماعية تجاه المجتمعات تتعالى الاصوات لدينا لدعوة الدولة الاردنية لتتخلى عن مسؤوليتها الاجتماعية الدستورية تجاه المواطن. نعم نتفق معك بأن هناك معادلات مختلة في العلاقة بين الدولة والمواطن لذلك نطالب بالاصلاح لتصويب هذه المعادلات لتقوم على اسس العدالة والمواطنة السليمة والنزاهة والحاكمية الرشيدة.
  • »ادارة التغيير (علاء)

    الاثنين 4 شباط / فبراير 2013.
    في حالتنا الوطنيه علينا ان نبدءا التغيير من البيت، من الاسره، من المدرسه، من الجامعه . البوصلة الاجتماعيه و الاخلاقيه و الوطنيه تلفت و تحتاج الى تحديث،. الجيل القيادي الحالي ليس بمقدوره تحقيق اقل الاهداف المرجوه لانه يعمل ببوصله معطوبه تماما. التغيير يبدا من البيت. التغيير يبدا من البيت
  • »حلول مبدأيه وفعليه للخروج نحو دوله المستقبل.... (أردني بفكر حاله بفهم بالاقتصاد والديموقراطيه)

    الاثنين 4 شباط / فبراير 2013.
    1- استخراج ما في باطن الارض الاردنيه من ثروات طبيعيه, وتوزيع ايراداتها بشكل عادل على المواطنين من خلال انجاز مشاريع منتجه وتشغل الاردنيين بدخول جيده تمنحهم حياه كريمه .
    2- تطبيق ديموقراطيه عصريه حقيقيه .
    3- قطع دابر الفساد والمفسدين .
    4- تعديل القوانين الظالمه الى قوانين عادله تشعر الناس بالامان والاطمئنان على مستقبلهم , على سبيل المثال (قانون الضمان الاجتماعي ).
    وبدون الدخول في تفاصيل الحلول اعلاه , يمكننا فعلا تحقيق الدوله والحياه التي نرغبها جميعا, وعدا ذلك سنبقى ندور وندور في نفس الفلك لعقود طويله .