محمد برهومة

التأجيل.. مفتاح "النصرة"

تم نشره في الجمعة 25 كانون الثاني / يناير 2013. 02:00 صباحاً

ثلاثة أسباب تقف وراء صعود أسهم "جبهة النصرة" في سورية: أولها، التباطؤ، وربما التخاذل، العربي والدولي عن مساندة الشعب السوري في ثورته. وثانيها، أن تراجع "القاعدة" في العراق أعقبه انتعاش لها في سورية، حيث المعركة مع النظام السوري لا تخلو من تجييش طائفي وميل للعنف، وهما تربة تنتعش فيها "القاعدة" وأخواتها. وثالثها، أن النظام السوري بتأكيده للسوريين أن ثورتهم ستعني مزيدا من الدماء والقتل في صفوف المدنيين والأطفال والنساء، إنما جعل مزاج كثيرين يتجه إلى مقولة مواجهة الدم بالدم، وهي مقولة تروق لـ"النصرة" و"القاعدة"، وتشكّل أكبر إغراء لنهوضهما وانتعاشهما.
منذ وقت، وصل السوريون إلى نتيجة تقول إن إسقاط النظام يتقدم على النقاش حول أجندة من يعملون على إسقاط النظام أو أفكارهم ووسائل عملهم. وهذا الأمر يصحّ على أطراف عديدة منخرطة في الملف السوري، منها "جبهة النصرة" ذات الفكر الجهادي القاعدي. واليوم، يغدو فتح مثل هذا النقاش ضروريا ومهماً. وإذا صحّتْ هذه الأهمية، فمن الواجب تبديد مثبطات الإقدام على هكذا نقاش، من قبيل القول إن وصم الثورة بأطراف جهادية أو مجموعات إسلامية متطرفة أو إرهابية هي لعبة النظام منذ اليوم الأول للثورة السورية، وهو ما يزال يروّج بأن بديله هي تلك الأطراف والمجموعات. السؤال هو: هل دعاية النظام تعني أن "النصرة" غير موجودة أو غير مؤثرة، أو ينبغي عدم الالتفات إليها، من أجل الحيلولة دون ترويج النظام لدعايته وتهربه من الإصلاح والتغيير؟ والجواب: لا. وهو الجواب ذاته للقائلين إن الإسلام الاجتماعي المنفتح في سورية أبعد من أن يخضع لرؤية "النصرة" والفكر المتشدد الذي تحمله.
إنّ رغبة السوريين في تجميع كل القوى الشعبية من أجل اشتراكها في هدف إسقاط النظام قد يكون مانعا دون محاكمة "النصرة" وفتح ملفها، على اعتبار أن وحدة المعركة ضد النظام لا تسمح اليوم بمثل هذا الأمر، وأن من الأفضل، تاليا، تأجيله. وإذا كان هذا الرأي لا يخلو من وجاهة، فإنه في الآن ذاته لا يقدّم أي ضمانات تمنع مخاطر هذا التأجيل، أو الاستمرار في غض الطرف عن هكذا تنظيم، يثور ويجاهد من أجل إسقاط النظام، ولكنه بالتأكيد إنما يفعل ذلك لأهداف وغايات مختلفة عن معظم أهداف السوريين الذين يتشوقون لبناء سورية ديمقراطية وأكثر حرية وكرامة.
التفاؤل في أن السوريين، بتدينهم المعتدل والوسطي ووعيهم المدني، سيكونون أفضل من يقاوم فكر "النصرة" ويعزله، هو تفاؤل يجاوره تشاؤم وقلق ومخاوف ربما لا تقلّ قوتها عن قوة ذلك التفاؤل؛ فالحضور المتزايد لـ"النصرة" في الثورة السورية اليوم، يطرح أسئلة لا تقبل التأجيل حول سورية الغد، وحول المسافة الكبيرة التي تفصل بين من يريد مجاهدة وإسقاط النظام فقط، وبين من يريد بناء سورية يعيش جميع أبنائها في شراكة متساوية في المواطنة والثروة الوطنية وصناعة القرار.
فكر "النصرة" يسعى إلى تكييف المحيط وليس التكيّف معه. وعلى هذا المحيط الذي دفع دماً كثيرا وغاليا في معركته نحو نيل حريته، ألا يؤجل فتح قفل "النصرة"، أو أنْ يقدّم لها ولو مفتاحا واحدا لبوابةٍ من بوابات سورية الغد.

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق