د.أحمد جميل عزم

تغيير "إطار القيادة" وصولا إلى المصالحة الفلسطينية

تم نشره في الأربعاء 23 كانون الثاني / يناير 2013. 02:00 صباحاً

نادرا ما تنجح مصالحة سياسية بين خصمين عبرا حد الاقتتال، بدون حدث كبير يفرض نفسه. فكثيرا ما يعيش الطرفان اللذان تواجها عسكريّا ودمويّا، حالة لاحرب ولاسلم، أو حربا باردة، أمنيا وإعلاميا، واستنزافا بطرق مختلفة، حتى تحدث حرب جديدة أو هزة تؤدي إلى تغير في المواقف. والمثال الكلاسيكي على هذا الوضع هو حرب العام 1973، من خلال "تحريك" الرئيس المصري آنذاك أنور السادات، للجبهة حتى يُسرع العالم بالتدخل وإخماد النيران، وبدء عملية سياسية بأسس جديدة. وقد حاول الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، القيام بشيء شبيه في انتفاضة الأقصى العام 2000، ولم ينجح.
يعود تفاؤل البعض بانتهاء حالة استعصاء المصالحة الفلسطينية حاليا، إلى اعتقادهم أنّ حدثا ضخما وقع فعلا، ويشيرون إلى حرب غزة الأخيرة، والعضوية في الأمم المتحدة، ومهرجان انطلاقة "فتح" التاريخي.
في بعض الحالات، لا تكون المصالحة أو العملية السلمية نتاج هزة حقا، ولكن نتيجة تغير في أركان الصراع: أطراف الصراع، وقضاياه. وتغير أطراف الصراع يأخذ أشكالا عدة، منها تغير النخبة المسيطرة، كأن يأتي زعيم جديد. هذا ما حدث، مثلا، بمجيء توني بلير رئيسا للوزراء في بريطانيا، وقراره وضع حد للنزاع الدموي البروتستانتي-الكاثوليكي في أيرلندا. ويحدث أحيانا تغير في قضية الصراع؛ فإذا كان الخلاف اقتصاديا مثلا، واكتشف طرف ما ثروة طبيعية في مكان يعوّضه، فقد يتنازل في موضوع الصراع، أو قد يقدم طرفٌ ثالث مكاسب للمتحاربين.
خلاف "حماس"–"فتح" فيه نزاع على السلطة، مع تباين الخطاب السياسي بينهما.
حدثت عدة أمور على الأرض تقرّب المصالحة، ولكنها لا تكفي. فمثلا، اقترب خطابا الفريقين من بعضهما، بفضل تعثر المفاوضات من جهة، وتكثيف قادة "حماس" لاهتمامهم وخطابهم بسبل التهدئة، وكيف يمكن القبول بحل يتضمن تهدئة طويلة الأمد على أساس حل الدولتين. كذلك، وصلت طموحات البناء السلطوي مداها لدى الطرفين. ففي الضفة الغربية، تحطّمت أحلام بناء الدولة والوصول إلى "الجاهزية" التي تؤدي إلى قبول دولي وضغط على إسرائيل لإعطاء الدولة حريتها؛ فلا الجاهزية حدثت، بدليل الأزمة المالية الخانقة، ولا العالم مستعد للضغط على إسرائيل. كذلك، تراجع كثيرا في غزة حلم فك الحصار، وبناء إمارة مزدهرة ومفتوحة، خصوصا بعدما اتضح أنّ النتائج المتوقعة حتى من حكم الإخوان المسلمين في القاهرة، محدودة على صعيد فك الحصار بدون وحدة الضفة والقطاع، أضف إلى ذلك أنّ تفاصيل التنافس على القيادة في "حماس" حُسمت إلى حد كبير؛ فقد تراجع الطرح الذي قدّمه محمود الزهار علنا بأهمية نقل القيادة إلى داخل فلسطين، أي إلى غزة، وتراجعت طموحات القيادة لدى اسماعيل هنية. وسبب التراجع في الحالتين ربما يعود لأسباب عملية اقتضت ترك القيادة للخارج، أو بسبب تدخل قيادات الإخوان المسلمين العالمية وقوى إقليمية، لصالح بقاء معادلات القيادة في "حماس" كما هي إلى حد كبير.
هذا كلّه يساعد على إنضاج المصالحة، ولكنه لا يكفي لإتمامها. فالخلاف على التفاصيل ما يزال كبيرا على صُعُد منها: دمج الأجهزة الأمنية ببعضها، ومدى تقبل القيادات الميدانية لبعضها، ومدى استعداد الطرفين للتخلي عن سلطاتهما الشخصية طواعية. ولكن "إعادة تعريف قضية الخلاف" قد تساعد. وهذا قد يحدث تحت مُسمى "الإطار القيادي الموسع".
هذا الإطار الذي يجمع قادة الفصائل لإدارة منظمة التحرير الفلسطينية، إلى حين تجديدها، يمكن أن يؤدي وظائف عدة، أهمها توسعة الاهتمام من السلطة، في غزة والضفة، إلى شيء أكبر. ويعتقد البعض، ولديهم ما يبرر ذلك، أنّ تركيز رئيس "حماس"، خالد مشعل على تغيير في قيادة منظمة التحرير، يوضّح خطابه المعتدل والمنفتح في العامين الأخيرين. وإذا وجدت قيادة "حماس" تمثيلاً في الإطار الأوسع، وسلّمت قيادة "فتح" بإطار بديل للسلطة (أي العودة للأصل وهو المنظمة)، تتضاءل أهمية السلطة، وتتوافر الإرادة السياسية لحل القضايا الميدانية العالقة. وانشغال الزهار، مثلا، في إطار اللجنة التنفيذية للمنظمة، يقلل من انشغاله بالشأن المحلي في غزة. 
التركيز على "المنظمة" بدلا من "السلطة" هو إعادة تعريف لقضية الخلاف. فإذا كانت هناك جدية في المصالحة، فإنه يمكن التركيز على ما هو أكبر من السلطة.

التعليق