استراتيجية المقايضة!

تم نشره في السبت 5 كانون الثاني / يناير 2013. 02:00 صباحاً

يشي الخطاب الأخير للرئيس المصري محمد مرسي، أمام مجلس الشورى، والذي انتقد فيه من يتحدثون عن إفلاس الخزينة المصرية، ووصفهم بأنهم "هم المفلسون"، معتمداً في ذلك على يقينه بحتمية تحسن الأوضاع المالية ما دام المصريون يعبدون ربهم ويدعونه ويتقربون إليه، هذا الخطاب يشي بماهية تفكير التيارات الدينية التي تنسب نفسها للإسلام، وسلوكها إزاء القضايا العامة. والأمر هنا ليس المقصود منه التذكير بضرورة ربط الأسباب بالمسببات، فهو مما لا يغيب عن أصحاب نمط التفكير هذا، وليس مما غاب عن الرئيس المصري أو خطابه؛ كذلك فإن المقصود منه طبعاً ليس نقد الدعوة إلى الصلاح والعبادة والدعاء، فتلك في صلب السلوك الإسلامي الطبيعي واليومي؛ إنما المقصود هو التمكّن من إدراك ماهية "إسلامية" هؤلاء "الإسلاميين"، وطبيعة فهمهم لدين الله، وللعلاقة من خلاله مع الله الخالق، مما تبني على أساسه استراتيجياتها تجاه المسائل الكبرى.
ثمة في ذلك "المنطق" مقايضة ما مع الله: نعبده فيرزقنا. وهي تشبه تلك المقايضة الشائعة التي تستلزم في نظر دعاتها أن نعبد الله كي ينصرنا على أعدائنا الذين هم بالضرورة "أعداء الله". وهي مقايضة اخترعها بعض "المفكرين!" المفترضين، خلال بحثهم عن وسيلة لمقارعة قوة أوروبا القاهرة لما حلّت جيوشها في بلداننا في منتصف القرن التاسع عشر. فهم حينها لجأوا إلى الماضي والتاريخ، وقرروا أنه يمكننا أن ننتصر إذا ما صلحت أمور ديننا، تماماً كما فعل أسلافنا الأولون، مهدرين بفرضيتهم تلك الظروف الموضوعية المختلفة بين الزمانين.
والمراد في هذه العجالة هو أن التيارات الدينية السائدة، التي باتت اليوم صاحبة الصولة والجولة في الحكم والسياسة، تريد أن تمارس الحكم بمنهج التفكير نفسه الذي واجهت به، هي نفسها، الاستعمار، ثم الحكم الاستبدادي، طيلة مائة وخمسين عاما، عاشت فيها الأمة عصراً سيئاً مع المشاركة في التاريخ، وظلت خارج "النهضة" التي فشلنا في إنجازها، وانكسر مشروعنا تجاهها منذ تاريخ وصول الاستعمار وحتى اليوم.
ذلك المنهج القائم على ماضوية التفكير، أي اتخاذ الماضي نموذجاً للتقليد باعتباره الحالة المثالية التي يُراد تمثلها، يتضمن مثل تلك العلاقة القائمة على المقايضة، بدل علاقة المحبة مع الله ومع خلق الله. وتنتهي تلك المقايضة إلى هذا الفهم المادي السائد للإسلام في مجتمعات المسلمين المعاصرين، مما كتبته سابقاً في مقال بعنوان "عن الإسلام المادي ونتائجه" ("الغد"، 18/8/2012).
والحال أن تلك التيارات الدينية التي ينتسب إليها الرئيس مرسي، لا يبدو أنها تتوفر على حساسية تاريخية تمكّنها من امتلاك نظرة كلية تجاه قضايانا الكبرى اليوم، وهي إنجاز النهضة، برغم أن مرسي نفسه هو من رفع شعار النهضة في حملته الانتخابية، وما تزال جماعته تتحدث عنها اليوم. فالواضح أن جماعة مرسي تريد أن تتعاطى مع قضية النهضة كما تعاطت معها التيارات الدينية منذ منتصف القرن التاسع عشر، وعلى مدار العقود التالية؛ أي من خلال الإسقاطات الماضوية القائمة على قاعدة أسطورية مفادها أن علينا تقليد أسلافنا كي ننتصر ونسود العالم كما سادوا.
وما يجدر قوله في نقد أسطورية تلك القاعدة وعدم اتزانها، هو أن الدنيا تغيّرت منذ الثورة الصناعية؛ فقطعت أوروبا بتلك الثورة، ومعها العالم الغربي كله، أشواطاً كبرى، جعلت فارقها عنّا أكبر بكثير من فارق أسلافهم عن أسلافنا، والذي كان يترك حالة من التوازن بين الطرفين، تمكّن الكرّ والفرّ بينهما. إن الماضي البشري لم يعد مجالاً صالحاً للتقليد والتمثّل، لكن الباقي هو دين الله، المحفوظ والصالح لكل زمان، فلماذا نترك دين المحبة ونختار تطبيقاً بشرياً تاريخياً قام على المقايضة؟! ألا نتعلم من إخفاقاتنا؟

[email protected]

التعليق