عيسى الشعيبي

ثقافة الاختلاف في الورقة النقاشية

تم نشره في الثلاثاء 1 كانون الثاني / يناير 2013. 03:00 صباحاً

من بين جوانب عديدة ومسائل متنوعة اشتملت عليها الورقة النقاشية المذيّلة "بقلم عبدالله الثاني ابن الحسين"، أرى بكل تواضع أن أثمن ما اشتملت عليه هذه المداخلة الفكرية غير المسبوقة لدى أي من القادة والزعماء العرب في العصر الحديث، هو الدعوة إلى تأصيل ثقافة الاختلاف في الرأي، عبر تفعيل حوار منهجي متراكم، يؤسس لإحدى أهم قواعد الحياة الديمقراطية المنشودة في زمن الربيع العربي.
وأحسب أن تقاليدنا العربية الموروثة، الممتدة على مدى حقب تاريخية متواصلة، لم تول مسألة الاختلاف في الآراء، والتباين في الرؤى والأفكار، الأهمية التي تستحقها هذه المسلّمة البديهية في حياة الأفراد والأسر والجماعات، حتى لا نقول إن القمع والاضطهاد، ناهيك عن التخوين والتكفير، كانا دائماً من نصيب كل صاحب رأي مخالف، وإن النفي والاستئصال كانا عقوبة تأديبية للآخرين في بعض الأحيان.
وهكذا، فقد كان الأخذ بمبدأ الرأي والرأي الآخر، كخط ناظم للحياة السياسية، وكقاعدة جديدة مستلهمة من تجارب المجتمعات العصرية المتقدمة، نقلة نوعية كبرى في إطار التطور المرغوب فيه من جانب شعوب فتح زمن ثورة الاتصالات عيونها وأذهانها على حقائق وقيم ومدخلات فكرية كانت مغيبة تحت قشرة سميكة من ثقافة أحادية الجانب، ترى في التنوع بدعة، وفي الاختلاف نقيصة ضعف، وفي التعددية شرخاً اجتماعياً ينبغي ردمه.
على هذه الخلفية، تبدو المبادرة الملكية اللافتة لإثراء ثقافة الاختلاف في الرأي، بمثابة دعوة مفتوحة إلى الحوار غير المقيّد حول كل شأن من شؤون العباد والبلاد، أو قل مقدمة عريضة لفتح باب النقاش العام بدون حرج حيال أكثر الموضوعات سخونة، وأشدها اتصالاً بالقضايا المثارة فعلاً حول متطلبات العبور، بثقة وتمكن، نحو ضفاف حياة ديمقراطية متساوقة مع أرفع قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان المنشودة.
ذلك أن الديمقراطية ليست مجرد حدث (Action) مثل إجراء الانتخابات، والتوجه كل أربع سنوات نحو صندوق الاقتراع، وإنما هي عملية مستمرة (Process)، وثقافة اجتماعية، وسيرورة سياسية تتراكم في غضونها جملة لا نهاية لها من السلوكيات التربوية، والمبادئ المنظمة لاختلاف الآراء، والقيم العليا الجامعة لسائر المكونات والاتجاهات، الأمر الذي تتجلى معه الأهمية الفائقة لتعميق ثقافة الاختلاف في الأفكار، تحت سماء صافية من غيوم الترهيب والترغيب والإغواء.
وعليه، ومن غير إغفال المسائل الأخرى المهمة التي انطوت عليها ورقة النقاش الملكية، فإن من غير المبالغة القول بأن الاختلاف في الرأي والقبول به، من جانب المرجع الأعلى في الدولة، وشرعنته على هذا النحو الذي لا لبس فيه، هو المدماك الأول في بنية الحياة الديمقراطية المأمولة، والمحور الارتكازي الراسخ لإعلاء صرح التنوع والتعددية، بل والأرضية الثقافية الصلبة لتبديد كل احتقان، وتعظيم مبدأ الحوار، وفتح الدروب المفضية وحدها دون غيرها إلى تحقيق الإجماع الوطني وبناء القواسم المشتركة، وبالتالي تهذيب التعارضات البينية.
وهكذا، فنحن اليوم أمام دعوة ملكية مفتوحة، فيها من الحس بجسامة المسؤولية الوطنية، بقدر ما فيها من رؤية حضارية متفتحة على قيم العصر ومُثله الرفيعة، لاقتحام عباب هذه المرحلة الانتقالية باتجاه التحول الديمقراطي، بكل ما تقتضيه من شجاعة أدبية وسياسية، والإمساك بدفة حوار وطني شامل يعلي من الشأن الكلي والرؤية الجامعة، على حساب الشأن الجزئي والمصلحة الفئوية، وهو ما نعتقد أن ثقافة الاختلاف في الرأي تمثل ساريته العالية، بل وروحه المتوثبة في كل زمان ومكان.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق