د.باسم الطويسي

الحوار الملكي: إعادة تأسيس فكرة المواطنة

تم نشره في الاثنين 31 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً

تذهب فكرة الأوراق النقاشية التي بدأ الملك بطرحها للنقاش العام، إلى تحريك الراكد السياسي والاجتماعي، والدعوة إلى سماع أصوات الجميع؛ أي بعث الحياة في فكرة المواطنة السياسية الناضجة، باعتبارها الطريق والضمانة الحقيقية للتحول الديمقراطي الآمن. وفيما شكلت فكرة "المواطنة العميقة" المحور الأساسي للورقة النقاشية الأولى، فإنها توفر جسرا سياسيا وثقافيا للتقريب بين مفهومي المواطنة والوطنية، وهو ما نحن في أمسّ الحاجة إليه.
لا تغيب عن قراءة الملك للمشهد المحلي الاستفادة من دروس المرحلة الثانية من الربيع العربي، وما تشهده من ضجيج بالكلمات والطلقات يعم العواصم والأرياف البعيدة في تلك المجتمعات، من البحرين واليمن مروراً بسورية ومصر وليبيا وصولا إلى تونس والمغرب؛ ذلك الضجيج الذي محوره الأساسي وجذره البعيد ومصيره ومآله، الجدل والخلاف على فكرة المواطنة، في أجواء مملوءة بمشاعر حادة ومتناقضة، ووسط بيئة سياسية يسودها منطق متبادل من محاولات الاحتكار السياسي والإقصاء والتهميش، وكأننا أمام مجتمعات تعاني أمية سياسية عميقة!
في المحاور الأساسية الأربعة التي أشار إليها الملك كأساس للمرحلة الانتقالية، نجد تشخيصاً دقيقاً لفكرة "المواطنة العميقة"، والمتمثلة في أن أساس الشراكة في المواطنة هو احترام الرأي الآخر الذي يؤسس للاختلاف الإيجابي؛ أي فهم نعمة الاختلاف والتنوع، ثم المساءلة باعتبارها الحلقة المكملة لممارسة المواطنة، وهي روح المواطنة والطاقة الخفية التي تمكّن المجتمع من ترسيخ ديمقراطية قادرة على التصحيح الذاتي، وأخيراً الشراكة في التضحيات والمكاسب، ومعنى ذلك يذهب إلى جوهر العلاقة السياسية والاجتماعية بين الحقوق والواجبات ويصل إلى أن فكرة العدل الاجتماعي والسياسي لا تكتمل إلا بالمسؤولية، وهي ليست طرفا نظريا تتسلى به النخب المتصارعة.
تبدو قيمة هذه المعالجة في إعادة تعريف الفجوة الديمقراطية في المجتمعات العربية. وتبرز أهميتها في أنها تصدر عن زعيم عربي؛ أي إنها قابلة للانتقال من التنظير إلى الممارسة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار حجم الفقر النظري الذي نواجه به تحديات التحولات السريعة التي تشهدها المجتمعات العربية.
تجسد "المواطنة العميقة" الخميرة الاجتماعية والسياسية للديمقراطية، والتي تنعكس في السلوك اليومي للأفراد والجماعات، وفي الطرق والوسائل والأساليب التي يتم التعبير من خلالها عن المطالب والمصالح، وفي الآليات التي يُسمِع بها الناس أصواتهم، بينما الشرط الأساسي أن تصل هذه المفاهيم الفرعية إلى العمق الاجتماعي، وأن تتشربها الثقافة الشعبية؛ فنكتشف نعمة الاختلاف والتنوع، ونمارس نعمة التوافق كما نمارس واجب المساءلة والشراكة.
تتموضع الأزمات العاصفة التي تشهدها المرحلة الثانية من الربيع العربي حول غياب المواطنة العميقة وعدم الاشتغال عليها، ما يطرح أسئلة محرجة: هل تزوج العرب بالديمقراطية على العجل؛ ما أنجب كل هذه الخلافات والنزاعات الكارثية؟ وبالمعنى الاجتماعي والسياسي، نجد أن العرب أكثر شعوب العالم انشغالاً بالسياسة، وهم فعلياً الأقل ممارسة للسياسة؛ وحينما حاولوا ممارستها أشعلوا الدنيا حولهم بالنيران. ثمة قطيعة واضحة دشنتها عهود من الإقصاء والمنع والاستبداد شوهت فكرة المواطنة، إذ أهدرت المجتمعات عقوداً من عمرها الحضاري في الكلام عن السياسة مقابل عجزها عن ممارسة السياسة ذاتها.
أطروحة الملك حول "المواطنة العميقة" تحاول سد هوة واسعة في الثقافة السياسية العربية المعاصرة. والسؤال المركزي في هذا المجال: هل نملك في التجربة الأردنية القدرة على تحويل هذه الأطروحة إلى ممارسة تصل إلى الناس؛ إلى عمق المجتمع؟ وكيف تصل النعم الأربع؛ نعمة الاختلاف والتنوع، ونعمة التوافق، ونعمة المساءلة، ونعمة الشراكة، إلى وعي الناس بمختلف مستوياتهم، وأن تنعكس في ممارستهم في البيت والشارع والمقهى والعمل والجامعة والنادي والساحات العامة؟ هذا يحتاج إلى تحولات ثقافية عظيمة ترافق التحولات السياسية، ما يحتاج إلى أفكار كبرى خلاقة وطاقة محفزة؛ كما يفعل الملك هذه الأيام.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هذا هو مفهوم المواطنة (بلال موسى)

    الاثنين 31 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    شكرا مقال واضح وهذا ما نحتاجه من مفهوم المواطنة ولا نريد ان نشتري ونبيع في فكرة المواطنة ، المواطنة للجميع وعلى قدر ما تعطي للبلد انت وطني
  • »اوراق ملكية تكشف واقعنا المرير (امل العبادي)

    الاثنين 31 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    ان جلالة الملك لم يلجا لهذه الاوراق الا ان الساحة السياسية والاجتماعية في الاردن خالية من القيم الجوهرية التي تفتح باب الحوار والالتقاء بوجهات النظر التي تجمع على مفهوم المواطنة العميقة كما اشار الكاتب
    اريد ان اقول للكاتب لقد ابدعت بهذه المقالة القوية والعميقة مما يدلل كم انت متعمق بالشأن الاردني بادق تفاصيلة واحسدك على قدرتك التعبيرية القوية بالكتابة ونتمنى ان تلقى الاوراق الملكية الصدى المرجو منها في الاوساط الاردنية وعلى مختلف المستويات
  • »قصور حكومي في التقاط الرسائل الملكية (نضال طعامنه)

    الاثنين 31 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    ثمة قصور حكومي مزمن للحكومات المتعاقبة في التقاط الرسائل الملكية المتعاقبة ؛وكمثال ودليل عليها ما كان دائماً يؤكده جلالته في كتب التكليف السامية للحكومات المختلفة بضرورة إيجاد قانون إنتخاب عصري ؛ لكن في كل مرة كانت الحكومات المعنية تعد نفس القانون ؛ بل وبصورة أسوء من السابق , كما حدث مع عام إنتخابات 2010 / والدوائر الوهمية , وحتى في النسخة الأخيرة منه ومع القائمة الوطنية ؛ التي هي تجسيد لفلسفة الصوت الواحد ولكن بشكل مكبر ؛ فوجود 61 قائمة بعضها تضم الأب وأبنه لهي مؤشر أولي على فكرة القائمة الوطنية ؛ لأنّ منطق الصوت الواحد ما زال مسيطراً على تفكير من صاغوها على هذا الشكل البدائي , بدلاً أن تكون هذه القائمة أساساً على أساس حزبي سياسي .
  • »دولة المواطنه (عايده مهاجر)

    الاثنين 31 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    اعتقد ان الوصول الى مواطنه حقيقية ليس مستحيلا لكن في الوقت ذاته ليس سهلا في ظل معيقات راسخه للاسف في ثقافة ووعي الناس تتمثل في الواسطه والمحسوبية والكسل وضعف منظومة العمل والانتاج ،والذي يتعارض تماما مع قيم المواطنه . نحتاج فعلا الى ان يكون هناك تكاتف لجميع مؤسسات التنشئة الاجتماعية ( الاسر ، المدارس ، الجامعات ، مؤسسات المجتمع المدني ) نريد ان نتعلم حقا بان المواطنه هي الطريق للحياة الكريمة والعداله والمساواة الاجتماعية وهي احترام الاخر وتقبله، نريد ضبط الفوضى التي للاسف مؤخرا اصبحنا نشاهدها في الشوارع والمؤسسات واماكن العمل ، نريد ان نستخرج المدركات الجمعية السلبية في أذهان الناس حول كل ما يتعلق بحقوقهم وذلك لن يكون الا بنشر الوعي حول قيم المواطنه ولعل النقاش حول هذا الموضوع بداية الطريق حتى نكوّن تراكم ايجابي حول مفهوم المواطنه و نكون دولة مواطنه يوما ما ،، اتمنى ان يكون ذلك في القريب الذي نعيشه ...