د.أحمد جميل عزم

"التوافق" و"النكاية" و"التخويف" في الاستفتاء المصري

تم نشره في الخميس 27 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً

حتى فترة ما قبل اندلاع الثورات العربية، ظهر في العالم العربي مبدآن بدا أنهما سيحكمان العمليات السياسية الديمقراطية عربيا، بالإضافة إلى فكرة قديمة مارستها الأنظمة القمعية والقوى المحافظة، سواءً التقليدية أو المرتدية أردية الثورات العلمانية. والمبدآن هما: "التوافق" و"تصويت النكاية". فيما تتمثل الفكرة في "التخويف" من الفتنة والأجندات الخارجية.
"التوافق" بدعة رأيناها في لبنان، عندما طالب حزب الله وأنصاره بما سموه "الثلث المعطّل" في الحكومات، وهددوا بتفجير الشارع إن لم يحصلوا على ذلك، وخوّنوا معارضيهم ووسموهم بالعمالة لإسرائيل، ولم يرف لهم جفن وقيادات حلفائهم في التيار العوني تُحاكم بالعمالة لإسرائيل! وتعمقت الفكرة التوافقية في العراق، عندما أصرت الولايات المتحدة على توافق حلفاء إيران مع قائمة "العراقية" التي حصلت على أكبر عدد من الأصوات، ولتتنازل الأخيرة عن رئاسة الحكومة.
بدت الفكرة التوافقية تأخذ نفسا جديداً إيجابياً مختلفا في مصر، عندما تعهد الرئيس المصري، الإخواني محمد مرسي، بأن لا يقر دستورا إلا توافقاً. ولكنه فاجأ العالم بإعلان دستوري أحيا وعزز كل المخاوف من التفرد الإخواني بالسلطة، وكل المخاوف من الانقلاب المستمر في مواقف الإسلام السياسي المصري، بدءا من زعمهم زمن محمد حسني مبارك أنهم يريدون المشاركة لا المغالبة، ثم إعلانهم عدم خوض الانتخابات الرئاسية، وعدم السعي إلى أغلبية برلمانية، وتغيير هذا. ثم الآن بدا أن تعهدات التوافق مجرد شعار.
لم يحاول مرسي أن يناقش القضاة الذين كان قد شهد لهم في الإعلام ولمواقفهم في وجه مبارك. وحتى نائبه الذي جاء به من القضاء لم يستشره! كما لم يحاول محاورة الذين تركوا لجنة إعداد الدستور، وكثير منهم تكنوقراط وليسوا أصحاب حسابات حزبية. لم يدعُ إلى حوار إلا بعد أن ثار جزء من الشارع، وبعد فوات الأوان. ففتح الباب بذلك لسياسة النكاية.
سياسة وانتخابات "النكاية" شيء نراه عربيا باستمرار. فنحن لا نصوت قناعة بقوة ما، بقدر ما نصوت لنمنع فوز جهة ما، أو لعقاب جهة ما. فمثلا، صوّت الفلسطينيون لحركة "حماس" نكاية وعقابا لحركة "فتح". وفي مصر ذاتها، وفي العام 2005، قالت "الشبكة العربية لحقوق الإنسان"، تعليقاً على نتائج الانتخابات في بعض المناطق المصرية: "الأهالي يُنَجِّحون المعارضة والإخوان نكاية في (الحزب) الوطني"! وتاريخيا، كان يكفي أن تقول إنّ فلانا "ضد النظام" حتى تؤيده الناس، في أي بلد عربي.
وفي مصر، كثيرون ممن أيدوا الدستور فعلوا ذلك لأنهم يؤيدون الإخوان والإسلاميين، وليس لأنهم قرأوا الدستور واقتنعوا به. وقد أيد الدستور المصري، سواء بسبب تأييد الإخوان، أو تأييد الدستور، أو خوفا من ضياع الاستقرار، نحو 20 % من أصحاب حق الاقتراع في مصر، وقرابة 64 % من المقترعين، فيما رفضه نحو 10 % من المصريين وقرابة
36 % من المقترعين. وكثير ممن تحركوا ضد الدستور تحركوا احتجاجا على استفراد مرسي بالقرار، أو نكاية بالإسلاميين، وليس بعد قراءة الدستور.
دافع التخويف هو القضية القديمة الجديدة. فأعداء الإخوان استخدموا في الانتخابات فكرة التخويف من تبني الإسلاميين الديمقراطية لمرة واحدة. وفي موضوع قبول الدستور، فقد روّج له الإسلاميون باتخاذ منحى التلويح بأن عدم التأييد يعني الفوضى، وأن المعارضين يتحركون عداءً للإسلام والمسلمين، وخدمة لأجندة خارجية. ولم يرف جفن لمن استخدم التخوين والتشكيك في الدين، ولم يتذكر أن هؤلاء المعارضين هم من قاد الثورة التي تردد الإخوان في خوضها، وأن أكثر تقدم حققته الرئاسة الإخوانية منذ جاءت، هو تحسين العلاقة مع واشنطن وصندوق النقد الدولي.
غاب النقاش الحقيقي لمضمون الدستور؛ غاب تقييم النصوص، وغاب الحديث عن أسس ومعاني الديمقراطية. غُيّب التوافق، فظهرت النكاية والتخويف، واستُخدمت أسلحة النزول إلى الشارع، والإعلام الجديد، لتزوير التاريخ ونبش التسجيلات الإعلامية لكل طرف، وحرف الحقائق، وكيل الاتهامات من كل صوب، ثم لعب لعبة الإحصاءات بين من يتحدث عن أغلبية الناس التي لم تصوت، وأغلبية المقترعين الذين وافقوا. وأصبح الكل، في مصر وخارجها، خبيرا دستوريا، وعارفا بالتاريخ، ومدركا لخفايا القضاء المصري، وعارفا بالإخوان المسلمين وتاريخهم، والكل قادر على الإفتاء السياسي!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »طالما أنه اسلامي..فالاستثناء مطلوب (اسامة مطير)

    الخميس 27 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    قد لا أوافق الاخ الفاضل د .احمد في بعض النقاط.والمبدأ هنا أن النظم الديموقراطية المحترمة يجب أن يحترم الاقلية فيها فوز الاغلبية.والخطأ الذي ارتكب هنا هو كذلك من محاولة الاخوان في أكثر من موضع احترام مشاكسة هذه الاقلية.
    فعندما وعد الاخوان بأنهم لن يذهبوا الى الرئاسة .فقد كان ذلك عندما ضمنوا الأغلبية في البرلمان ولكن عندما أحس خبراء الاخوان القانونيين أن مؤامرة أو انقلاب ستجري على البرلمان.قام الاخوان بترك طوق نجاتهم الاول ليمسكوا بالتالي(الرئاسة)فالقوا بطوق نجاتهم(خيرت الشاطر)وبعدما شعروا أن هذا الطوق سيغرق ألقوا بمحمد مرسي.وعندما وعندما فاز محمد مرسي.كان يتحتم على الاخوان ان يتنازلوا أمام صيحات معارضيهم عن انتماء مرسي لهم.فقدم مرسي استقالته من الاخوان وعين 80% من مستشاريه ومساعديه من غير الاخوان.وعلى الرغم أن التأسيسية الثانية (المتبقية)تم انشاؤها بعد تنازل الاسلاميين عن أغلبيتهم الى ال50% فقبلت القوى العلمانية بهذا(الانصاف!!!!!)فنوقشت 95% من مواد الدستور وأقرت خطيا .وبقدرة قادر انقلبت العلمانية بقدرة قادر على ما أنجز في الوقت الضائع.فكان لا بد هنا من أن يحطات مرسي لهذا التلاعب الخطير فصدر الاعلان الدستوري الذي قال عنه أكثر من خبير دولي أنه طوق نجاة للعبة ديموقراطية أصيلة لقوم لا يحترمون ديموقراطية الاختيار.
    الاستفتاء الاخير فيه 365 معارضين من بينهم ما لا يقل عن 19% من الأقباط .لا أغتقد سيدي أن حزبا أو جماعة محترمة سترتكب حماقة(تدليع المعارضة الاقلية)كما فعلت حتى الان جماعة الاخوان في مصر.
    أنا الان أعتقد أن الخطأ في مصر بدأ بتراخي الاسلاميين عن قوة الدفاع عن مكتسباتهم الديموقراطية.
    العلمانيون والليبراليون في مصر يا سيدي يمارسون ارهاب الجماعات التكفيرية ولكن بديكور التحرر و سب الدين
  • »سياسة مقالات النكاية.. (الطريفي)

    الخميس 27 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    أتمنى أن تثبت صحة نظرية "التفرد الإخواني"،، من باب العطف على مدعيـــــها كي يشعروا بقربهم من الحقيقة والواقع.

    التصويت "نكايةً" لا يعني عدم أحقية الطرف الكاسب للأصوات، فأنا أجزم أن انتخابات الضفة وغزة لو قدر لها أن تعاد بنفس أجواء النزاهة في 2006 ستحصل فيها حماس على أغلبية ساحقة، مجرد ازدياد شعبية حماس هو بحد ذاته عقاب لحركة فتح التي أضلّت الطريق، فهذا المنطق هو بعينه الديمقراطية و حرية الرأي وحكم الشعب نفسه بنفسه.

    هل يعقل أن تكون شعبية الإخوان في تهاوي وانحسار في حين ينجح دستور "التفرد بالسلطة" في استفتاء لم تتواني الدول العظمى والمجاورة عن الحشد بكل الإمكانيات لإسقاطه؟؟

    ثم إن الرئيس مرسي قد دعا كل الألوان السياسية المصرية بمن فيهم المنسحبين من لجنة اعداد الدستور لحوار غير مشروط يوم السبت السابق للاستفتاء ووعد بالتوقيع على محضر الاجتماع مهما كانت النتائج!!

    خلاصة: احترموا إرادة الشعوب، كن كما تريد وكن مختلفاً فهذا حقك ، ولكن لا تنكر على غيرك الإختلاف في الرأي فربما لست من الأغلبية حتى لو كنت على حق!