ياسر أبو هلالة

مختلفون لا متخلفون

تم نشره في الأربعاء 26 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً

لا يقاس رقي الأفراد والمجتمعات بكيفية تعاملها مع الفئات الأكثر حظا في المجتمع؛ فذلك تعامل مصلحي قد يكون علامة انتهازية. لذلك، تجد القوانين والقرارات تحابي أصحاب الشركات والبنوك والمستشفيات والمدارس والجامعات، وأصحاب العمل عموما، ولا تنحاز للعامل والمقترض والمريض والطالب.. إلا بعد نضال. وفي الغرب، لم يتحصل العمال والمهمشون على حقوقهم إلا بعد نضال مرير.
جوهر الفكرة النازية هي الاهتمام بالفئات العليا والكاملة في المجتمع. ولذا لم تستهدف اليهود فقط باعتبارهم أقلية دينية مستضعفة، بل استهدفت معهم الأفراد ذوي الاحتياجات الخاصة، وجماعات الغجر، وغيرهم من الفئات المستضعفة. وكل فرد وكل مجتمع لديهما ميل نازي، والإنسانية لا تتطلب تهذيب هذا الشعور بالتربية والتعليم والتدريب فقط، بل وبالقوانين والأنظمة الصارمة التي تنصف الضعيف وتمنع تجاهله وإهماله.
تحتاج الفكرة إلى تفصيل طويل. لكن باختصار، عندما تشاهد برنامج الأطفال "بارني" تجد طفلا على كرسي متحرك، وآخر يرتدي سماعة طبية، وثالثا أسود البشرة. ومع أن منتجي البرنامج يستطيعون الإتيان بطاقم أطفال بمواصفات نازية؛ شقر البشرة ومتماثلون وذوو ذكاء مرتفع، لكنهم يعلّمون الطفل بشكل ممتع وذكي أن يعيش في تنوع حقيقي على مستوى الأسرة والأصدقاء والمجتمع. ولعل قيم الحنو والحدب والعطف أكثر أهمية من قيم المنافسة.
في الغرب أيضا، لو كانت أميركا نازية لما وجد فتى أسود البشرة مثل باراك أوباما فرصة للتعلم والتقدم وصولا إلى رئاسة أهم بلد في تاريخ البشرية. ولولا أن والدته الشقراء وجدت في والده القادم من أفريقيا بعدا إنسانيا يجذبها إليه، لتعالت وما تم الزواج أصلا. وولي عهد بريطانيا لم يتعرف على خطيبته في رحلة تزلج باذخة، بل تعرف عليها في رحلة تطوعية في أفقر بلدان العالم في أفريقيا. إنها مجتمعات تريد أن تطهر نفوسها من لوثة الرجل الأبيض، وتعلي قيم التعاطف على قيم الصراع والتنافس.
في ديننا وإرثنا فائض من القيم التي تعلي من شأن الضعيف والفقير والمريض، وتجعل من الطرف الأقل طرفا أعلى. وقيل في الفقير في القرآن: "من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا"؛ فأنت لا تتصدق على الفقير، بل تعطي قرضا بفائدة مضاعفة. وفي الحديث النبوي: "سيروا على سير أضعفكم والضعيف أمير الركب". لكن في الواقع تجد المجتمعات العربية والإسلامية هي الأقل عناية بالفئات الأقل حظا، ومن السهل عليها وصف "متخلفين" لإقصاء هذه الفئة الأقل قدرات أو ذكاء أو مهارات لأسباب جسدية أو عقلية أو نفسية. باحث متخصص في ذوي الاحتياجات الخاصة أخبرني أنه أجرى دراسة عن تعامل المدن العربية مع الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، فاكتشف أنهم معرضون للموت خلال ساعات لو تركوا وحدهم، نظرا للإهمال التام لحقوقهم في الأرصفة والشوارع والمحال.
ما نشره الفيلم الاستقصائي على محطة "بي. بي. سي" عن تعامل مراكز ذوي الاحتياجات الخاصة في الأردن هو مجرد رأس جبل جليد، في بلد يعتبر هو الأفضل عربيا من حيث التشريعات والممارسة، لكن وضعنا بالمقاييس العالمية بائس. وتعامل وزارة التربية ووزارة التنمية الاجتماعية مع هذه الفئة قاصر، ويحتاج إلى كثير من المراجعة. ولعل التقصير الأكبر في الوزارتين يتعلق بسياسات الدمج. فأساس نجاح هؤلاء الأفراد ونجاح مجتمعاتهم هو الدمج مع الأشخاص الطبيعيين. والشخص القوي سيستفيد كثيرا، وستتطور شخصيته، عندما يشعر أن زميله الضعيف بحاجة إليه؛ فلا يدمر الإنسان مثل مشاعر الغرور والتكبر بسبب تفوق مالي أو جسدي أو عقلي.
حتى لا نكون نازيين، علينا أن ندقق في مشاعرنا وسلوكنا تجاه المختلفين عنا، ساعتها سنكتشف رواسب ثقافة تقوم على إقصاء المختلف عنا وتقدس المتشابه، وتسعى إلى التعميم والتنميط.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »العرق الأفضل: بين العنصرية العلمانية والعنصرية الطائفية (موسى)

    الأحد 30 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    لي تعليق على وصفك اليهود بأنهم اقلية ضعيفة في المانيا. اليهود والنازيين يتشاركون في نظرية العرق الأفضل فاليهود يعتقدون انهم العرق البشري الذي إختاره الله ليكون أفضل من كل الأعراق البشرية. والنازية تقول ان الألمان هم العرق البشري الأفضل. الأول يبرر عنصريته بكتاب ديني والثاني يبررها بكتاب كفاحي لأدولف هتلر. طبعا ندين بشدة الجرائم التي وقع ضحيتها الملايين من الأبرياء بما فيهم اليهود والغجر والمدنيين من جراء همجية الرجل الأبيض من الحرب العالمية الثانية وماقبلها وبعدها من جرائم الإستعمار الأبيض التي ابادت حضارات بأكملها. ومن يكرر جرائم جلاديه لايحق له ان يتباكى من الظلم
  • »عمار (عمار)

    الأربعاء 26 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    كان بإمكانك ان تدين سوء معاملة ذوي الإحتياجات الخاصة وبأشد اللهجات وكنت سأصفق لك وبحرارة. لكن أدين وبشدة إقحامك لمقارنة بين تصرف لاأخلاقي لأفراد ومؤسسات فاشلة وفاسدة أخلاقيا في الأردن وبين إيديولوجية النازية والتي هي مبنية على التفوق العرقي والكمال وسياسيات دولة مبنية على هذه العنصرية. ظلم ذوي الإحتياجات الخاصة والذي يجب إدانته ليس نابعا من نظريات التفوق العرقي فلم يكتب اية كاتب أردني اية مقالة تشبه من قريب او من بعيد ماكتبه مفكرين ومنظرين العرق الأبيض نازين كانوا ام امريكان ام فاشيين. وإقحامك لليهود في هذه المقالة لايمكن تفسيره خارج سياق علاقاتنا مع الصهيونية إسرائيل وكأنك تلمح ان تصرفاتنا النازية هي بطريقة او بأخرى مرتبطة بنظرتنا لليهود الضعفاء (إسرائيل) حسب تقديرك. كان من الأجدر بك ان تجد مقاربة من مئات المقاربات التي لاتقارن العرب بالنازيين وتستعطف القارئ على الصهيونية التي تتكئ دوما على رواية النازية لتبرير وجود إسرائيل ولتبرير قتلها للعرب تحت شعار انه مهما قتل اليهود من العرب فسيبقى هذا أقل من عدد اليهود الذين قتلهم النازيون حسب البروبغاندا اليهودية الصهيونية. وأأكد لك ان التهاني ستنهمر عليك من الليبراليين العرب ومن الصهاينة لأنك وبحجر واحد أدنت تخلف الشعب العربي وتعاطفت مع الرواية الصهيونية وهاذين الأمرين هم ركنان من أركان الفكر الليبرالي العربي الجديد
  • »مقالة مريبة (هارون)

    الأربعاء 26 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    مقالة مريبة ليس لأن ظاهرها التعاطف مع الأقل حظا وهذا أمر مطلوب وواجب وإنساني لكن في مقالة واحدة يجمع الكاتب بين وصف اليهود كأقلية ضعيفة في المانيا وهذا وصف لايمت للحقيقة بصلة (مع رفضنا الكامل لأية فكر عنصري) وبين وصف تصرفات العرب بالنازية. يتحفنا الكاتب كل فترة وفترة بمقالات ترعبنا لكن هذه المرة بأسلوب يدين العرب والمقاومة ويستجدي التعاطف مع الصهاينة فهذا امر مريب جدا ويصب في مصلحة تحذيرات العلمانيين ان الإسلاميين إنتهازيين وبدأوا يجهزون خطابا إنتهازيا تحضيرا لوصولهم السلطة وكل إستحقاقات المرحلة الفادمة من التملق لأمريكا والصهيونية وإدانة "تخلف" الشعوب العربية كما تفعل النخب العربية العلمانية اليوم لتبرير فشل الأنظمة.