عيسى الشعيبي

الاستدارة الروسية

تم نشره في الثلاثاء 25 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً

بحسب ما اتسم به أداء الدبلوماسية الروسية، من مكابرة وبطء شديدين، وعلى نحو ما تميزت به من تأخر وتسويف حتى ربع الساعة الأخير، جاءت استدارة موسكو حيال التطورات السورية المتسارعة، أخيراً، كعملية استدراكية كاشفة عن مدى خطل تلك السياسة المترعة بثقافة الحرب الباردة.
لسنا الآن في معرض التساؤل عن ماهية هذه الاستدارة، ولا عن مغزى حدوثها في هذه المرحلة الحاسمة، وإنما السؤال عن تلك النقطة التي فاضت معها كأس الشراب الروسية، وجعلت ميخائيل بوغدانوف يقول إن بلاده لم تعد تستبعد انتصار المعارضة التي تواصل التقدم على الأرض، ثم يليه فلاديمير بوتن قائلاً من موسكو ومن بروكسل: نحن لا نتمسك بالأسد ولا يهمنا مصيره، ناهيك عن قيام روسيا بإرسال سفنها إلى البحر المتوسط لإجلاء رعاياها عندما تدق الساعة السورية.
وبمعزل عن الهذر الذي يواصل سيرغي لافروف ترداده من أن روسيا لم ولن تغير سياستها تجاه سورية، وأن وريث الجمهورية لن يذهب إلى أي مكان آخر، فإن من المرجح أن موسكو قد استنتجت أن الاستثمار السخي في بشار الأسد كان بلا طائل، وأنه قد آن أوان وقف متوالية الخسائر الباهظة، والبحث عن مقعد حول مائدة المفاوضات الوشيكة، قبل أن يحدث الانهيار الذي بدأ الخبراء الروس في طرطوس وجوارها يرون تشققاته بأم أعينهم.
وبالعودة إلى ماهية النقطة التي ملأت كأس موسكو، فإن من المرجح ألا تكون هذه النقطة قد تكثّفت من أبخرة المفاوضات الروسية–الأميركية، أو تكونت من سحابة تفاهمات عبرت رواق عملية دبلوماسية تخص مسألة تأمين خروج آمن للأسد وبطانته، بقدر ما أنها خلاصة لحظة سورية صادمة لمطبخ القرار الروسي، ونعني بها لحظة قطع طريق مطار دمشق الدولي، وفشل قوات الأسد من إعادة فتحه بصورة آمنة ، الأمر الذي أشعل لمبة حمراء، وفتح العيون الزرقاء على اتساعها إزاء حقيقة أكبر من أن يتم التغاضي عنها.
ذلك أن مطار دمشق ليس معبراً حدودياً نائياً مع تركيا أو العراق، يمكن غض الطرف عن مدلولاته الجزئية، والتعالي عن نتائجه الهامشية، وإنما هو العلامة الفارقة في مسار أزمة خرجت تماماً عن نطاق السيطرة، بدت أشبه ما تكون بالهدف النهائي في مباراة كرة قدم أوشكت على الخاتمة. وهو متغير جوهري أحسب أن موسكو قد التقطت فحواه العميق، وكفت منذ تلك اللحظة عن سياسة الإنكار المديدة.
في غضون النصف الثاني من هذا العام، حدثت ثلاث وقائع مفصلية في مجرى الأزمة السورية، كانت كل واحدة منها ذات آثار بعيدة المدى. أولاها، إسقاط الطائرة التركية في حزيران (يونيو) الماضي، وهي إهانة ردت عليها أنقرة بتمكين الجيش الحر من بدء سيطرته على الشمال الحلبي وفرض معادلة عسكرية جديدة. والثانية كانت في تموز (يوليو) الماضي حين تم القضاء على خلية الأزمة، وهو الحدث الذي كسر صورة الأسد. أما الثالثة، فقد تمثلت في إغلاق الطريق إلى مطار دمشق، وأدت إلى حمل موسكو بعد لأي شديد على إحداث هذه الاستدارة.
قد يمر وقت إضافي حتى تستكمل روسيا استدارتها التامة، وترفع يدها عن أول حاكم مستبد في التاريخ يقصف عاصمة بلاده بالطائرات. إلا أن هذه الاستدارة قد بدأت عجلتها بالدوران البطيء، وستمضي إلى أن تكتسب قوة دفع ذاتي متدرج مع الزمن الذي لا ينتظر كثيراً، وتمخر البرزخ نحو أعالي البحار العميقة، مدفوعة بتيار جارف من التطورات السورية المندفعة حثيثاً نحو نقطة اللاعودة الناجزة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المواقف العربية المخلصة هى الاشد حسما فى معالجة القضايا الوطنية (د. هاني عبد الحميد)

    الثلاثاء 25 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    وكل هذا الذى نرى من تتابع سير الاحداث فى المشهد السورى المدهش ان هو الا ذلك الجزء البسيط من جبل الجليد الظاهر للعيان وان ارادة الشعب السورى المقدام اصبحت تفرض نفسها وبجهود ذاتية بدأت تتعاظم ومنذ شهور قليلة فقط لتفرض ايقاعها واجندتها واحترامها على العالم كله مثلها كمثل كرة الثلج التى اصبحت تتعاظم وتأخذ فى طريقها شيئا فشينا وباصرار نظاما مهترءا لم يعد يليق بالعيش فى القرن 21 اعمته شهوة الانتقام والقتل والتدمير وخذلته الشجاعة والخلق فى اتون الصراع المريرالدائر بين فسطاط الايمان كله ومعسكر التخلف والطائفية الانهزامية والانقسام. وهذا الجبن الاخلاقى الذى اظهره المجتمع الدولى فى معاييره المزدوجة وفى التخلى عن واجبه فى التصدى لاعداء الانسانية والحضارة يجب ان لا يكون غير متوقع. حيث ان اعداء الامة فى الداخل والخارج اصبحت مواقفهم معلنة واجنداتهم الخفبة مكشوفة وتطلعات الامة الحقة فى الحياة الحرة الكريمة معروفة مما يتطلب وقفة عربية رجولية من الجميع وبالعمل الجاد لا بالقول فقط حتى نلغى مقولة اكلت يوم اكل الثور الابيض من قاموسنا السياسي مرة واحدة والى الابد.