سيطرة الفساد في إسرائيل

تم نشره في السبت 15 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً

جاء قرار المدعي العام الإسرائيلي بإغلاق ملف الفساد الأكبر ضد وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، ليكون العلامة الأكبر، في هذه المرحلة، على حجم تمدد الفساد في سدة الحكم الإسرائيلي. فهشاشة تبريرات النيابة لملف يتعلق بملايين الدولارات، مقابل تصرّفها في ملفات أخرى ضد سياسيين، يثبت أن عصابات الفساد لاقت مصالح مشتركة مع اليمين المتشدد. وهذا ليس بأمر جديد، ولكنه اليوم بات ملموسا أكثر كأمر واقع.
إذ تقرر إغلاق التحقيق في واحدة من أكبر تهم الفساد التي توجه لسياسي إسرائيلي، وتتعلق بملايين الدولارات التي وصلت إلى جيب ليبرمان بطرق غير مشروعة، عبر شركات وهمية أقامها في الخارج. فالتحقيقات التي استمرت 13 عاما، وأوصت الشرطة في نهايتها بتقديم لوائح اتهام خطيرة ضد ليبرمان، انتهت بذريعة أنه لا يمكن إحضار شهود من الخارج يرفضون الحضور إلى إسرائيل، فيما قال القائد العام للشرطة إنه "ليس منطقيا إجراء محاكمة بشأن قضايا مرّت عليها عشرة أعوام وأكثر". وللتوضيح، فقد نشرت القناة العاشرة للتلفزيون الإسرائيلي قبل أسبوعين، تحقيقا حول مصير الشهود الذين كان من المفترض أن يشهدوا في المحاكمة: واحد مات، وآخر أصيب بشلل، وآخر أصيب بنوبات قلبية، والرابع يرفض الحضور إلى إسرائيل. أما بخصوص مرور عشرة أعوام على التهمة، فإن شرطة إسرائيل ذاتها حاكمت رئيس الحكومة الأسبق إيهود أولمرت، على قضايا مرّ عليها 15 عاما.
شهدت إسرائيل في العقدين الأخيرين ذروة في ملفات الفساد التي طالت رؤساء ورؤساء حكومات ووزراء وجنرالات ومسؤولين كبارا، منهم من يقبع في السجن. وحول كل واحد منهم كانت تدور ضجة سياسية كبرى، باستثناء ليبرمان الذي لم يتجرأ الساسة، خاصة في الكنيست، على مجرد السؤال عن سبب المماطلة في التحقيقات 13 عاما. أكثر من هذا أنه حينما أصر ليبرمان على أن يكون تعيين وزير للشرطة والقضاء في الحكومة بموافقته الشخصية، لم تقم ضجة بالقدر الذي رأيناه في حالات أخرى.
إن ما يكشف حقيقة ما يجري في سدة الحكم، وفي جهاز القضاء، ليس فقط القوانين التي سنها الكنيست مؤخرا، بل أكثر من هذا شكل تعامل الجهاز ذاته مع أولمرت، الذي خاض مفاوضات يقال إنها "جدية" مع الفلسطينيين، في مقابل شكل التعامل مع العنصري الشرس داعية الحرب وسفك الدماء "ليبرمان". وهذا لا يعني أن أولمرت "حمامة سلام"، بل يكشف كيف تتعامل المؤسسة العليا مع كل من يحاول التقدم نحو حل الصراع، ولو كان غير كاف فلسطينيا.
وحتى لو اضطر ليبرمان إلى التنحي قليلا عن منصب وزير بسبب تهمة هشة أخرى وجهت له، إلا أن إسرائيل توجت ليبرمان باعتباره "الرجل القوي". وتمدده في أذرع المؤسسة الحاكمة يتواصل بدون أن يوقفه أو يصدّه أحد. والمستقبل القريب جدا سيوضح هذا؛ إذ إن كثيرا من خيوط الحكم المركزية ستكون في يده.
ويتمتع ليبرمان بدعم قوي وأساسي من أوساط اليمين المتشدد التي تنظر إليه كحاجة ماسة للقضاء على كل صوت آخر، أو لنقل كل "صوت نشاز" عن الإجماع الصهيوني، من خلال وابل القوانين العنصرية والمناهضة لحرية العمل السياسي والتعبير، والتي يطرحها ليبرمان، من خلال حزبه، على جدول أعمال الكنيست.
إن ما يجري في إسرائيل يُسرّع الخطى نحو الصدام الداخلي، ليس فقط بين العلمانيين والمتدينين، فهذا صدام قد يكون أخف من صدام بين اليمين المتشدد الشرس، وبين قوى توخت أن تعيش في "إسرائيل أخرى" غير تلك التي تتبلور في هذه المرحلة. فهناك أوساط ليست قليلة، من دعاة الديمقراطية وحرية التعبير، ومنها دعاة سلام، ستجد نفسها تواجه تهديدا ومحاصرة، وغير قادرة على الوصول إلى الحكم. لكن هذه الأوساط ليست بريئة مما يجري اليوم، لأنها صمتت صمت القبور حينما كان كل هذا يجري ضد فلسطينيي 48 وحدهم، واعتقدت أن الطوفان الشرس لن يصلها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »استقاله (نشمي ابو حمرا)

    السبت 15 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    في دولة الكيان الصهيوني تحوم شبهة فساد حول شخصية فيها فيدرس الاتهامات و يقدم استقالته و يامل ان يبرءه القضاء , اين ذلك ممن يحشد اقاربه و ربعه لاعلان مناقبه و انجازاته؟, ايم ذلك ممن انغمسوا بالفساد حتى شوشة الراس و يروجون ان الحديث عن الفساد اغتيال للشخصية ؟, و يعملون جل جهدهم لتعطيل وصولهم للقضاء؟, نعم هكذا تبنى الدول لا تستر على فساد مهما صغر حجمه, وز لا كبير عن المسائلة, و البريء يمشي برجليه للمحكمة و القضاء حتى يبيض صفحته, ارحمونا.