صدى مصر

تم نشره في السبت 15 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً

ثمة مقولة رائجة في الحياة السياسية الأردنية، مفادها أن القوى السياسية المحلية تتفق في مواقفها من القضايا الداخلية، لكنها تختلف حول الموقف من القضايا الخارجية، بخاصة العربية. والواضح الآن أن الأمر بات ينسحب على عموم الناس في بلدنا، لا على القوى السياسية وحسب!
ظل الأمر يتمحور حول الاختلاف على الموقف من الاتحاد السوفيتي، ثم من صدام حسين، ثم من قيام السلطة الفلسطينية ومجمل العملية التفاوضية، إلى غير ذلك من تطورات إقليمية ودولية تلاحقت منذ ظهور القوى السياسية إلى العلن بعد العام 1989، في وقت اتفق الجميع على الحاجة إلى تعزيز الديمقراطية داخلياً. واليوم، يتفق أكثر الناس على الإصلاح الداخلي، لكنهم يفترقون على الموقف من المسألة المصرية، حتى تخالهم مصريين! فأصحاب التوجه الإخواني والمؤيدون له، يودون لو يشاركون في التصويت لصالح الدستور؛ والمعارضون للإخوان وتوجهاتهم في الدولة المصرية، يعتبرون تقويض مشروع الدستور قضيتهم الخاصة!
ورغم أن الأمر يبدو عجيباً؛ أي تعامل أكثرنا مع الموضوع المصري الداخلي باعتباره يخصنا تماماً، إلا أنه يمكن تفهّمه وتفسيره:
1 - فقد مضى، أخيراً، زمن كنا فيه نود لو نشارك في الانتخابات الأميركية! اليوم، على الأقل، تمثل مصر حالة عربية، فضلاً عن أن ما يحدث فيها عادة ما يؤثر على الأحوال في البلدان العربية. إن اهتمامنا بما يحدث في مصر يعكس، في حقيقته، تعطشنا لممارسة سياسية ديمقراطية، أساسها المشاركة الشعبية في التفاصيل. وهو السبب نفسه الذي يفسر متابعتنا الحثيثة للانتخابات الأميركية، والفرنسية، والباكستانية، والفنزويلية، والتركية.. إلخ، في وقت كان عالمنا العربي يغط في سبات الاستبداد.
2 - قناة الجزيرة، مالئة الدنيا وشاغلة الناس، ساهمت في جعل الحالة المصرية محور اهتمامنا منذ الثورة. تلك حقيقة يمكن ملاحظتها من مقارنة الأضواء التي تسلطها القناة طاغية الشعبية على مصر، مقارنة بتونس مثلاً، التي سبقتها بالثورة، والتي تشهد تجربة سياسية فريدة من حيث تقاسم السلطة، والصراع عليها في آن، بين الإخوان والقوى اليسارية والمدنية. "الجزيرة"، والتي –بكل موضوعية- تروّج للإخوان وتنحاز لهم، كان لها الدور الأكبر في تحويل الموضوع المصري إلى شأن شخصي لكل عربي، في سياق دعايتها للمشروع الإخواني. فضلاً عن جرّ القنوات الإعلامية الأخرى للتركيز على الحياة السياسية المصرية. هذا، على أي حال، ليس نقداً لأداء "الجزيرة"، وإنما مجرد إيراد لأمر واقع!
3 - الإخوان المسلمون، والتيار الديني عموماً، حاضرون في حياتنا السياسية الأردنية، وثمة من ينتمون له أو يعتبرونه ممثلاً لهم، ما يجعل نجاحه أو فشله في مصر ذا أثر على واقعنا، يستوجب متابعته ومراقبة تفاصيله من مريدي هذا التيار، والمتخوفين منه. هذه الحال يمكن أن تساهم في تفسير اهتمامنا الكبير بالمسألة المصرية، والدستور المصري، بدون أن يكون التفسير الأكثر أهمية، مقارنة بالتفسيرين الأولين آنفي الذكر؛ ذلك أن الإخوان كانوا حاضرين، كمعارضة فاعلة، في أيام مبارك، لكن مصر لم تكن محور اهتمامنا يومها، مقارنة بالعراق ولبنان مثلاً.
والمحصلة أن لمصر صدى مؤثرا في عالمنا العربي اليوم، ومنه الأردن. فلو تابع واحدنا ما يكتبه الأردنيون على مواقع التواصل الاجتماعي في هذا الشأن، لوجد عجباً! ثمة من علّق على موقف المعارضة المصرية الرافض للدستور بأن قال: "نلتقي يوم السبت وسيكون حسابنا معكم عسيراً"، وكأنه مصري فعلاً! وثمة من كتب مطالباً الرئيس محمد مرسي بأن يلتزم بوعده بالتوصل إلى دستور توافقي قبل طرحه للاستفتاء، وكأنه كان سيشارك في إبداء رأيه كما المصريين! أما الأكثر عجباً، فهو تنافر أنصار الطرفين، وتباغضهما، على خلفية الموقف مما يجري في مصر! إن صدى مصر يملأ حياتنا اليومية لا السياسية وحسب، لكن بشكل مبالغ فيه وغير حقيقي، إلا من السياسيين والمؤدلجين والباحثين، وذلك بتأثير من أضواء الإعلام، وتوقنا إلى قصص الديمقراطية و"حواديتها"!

التعليق