إبراهيم غرايبة

ما بعد نهاية العالم

تم نشره في الجمعة 14 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً

لقد انتهى العالم بالفعل، ونحن في ما بعد نهاية العالم، فقد تغير تغير كبيرا وجذريا لدرجة تجعل مقولة نهاية العالم صحيحة تماما، لا نحتاج إلى أحداث ووقائع مباشرة كما حدث في فيلم 2012 لنرى نهاية العالم والنجاة من النهاية، فلو تأملنا ببساطة حولنا فيما حدث ويحدث وسوف يحدث لوجدنا أننا نعيش في عالم جديد مختلف، ولا يختلف أولئك المتشبثون بما قبل نهاية العالم عن يابانيين يعتقدون أن الحرب العالمية الثانية ماتزال قائمة، أو أصدقاء قوميين يعتقدون أن صدام حسين ما يزال متخفيا، وأنه انتصر في حرب الخليج نصرا مؤزرا، وأن الحرب التي وقعت في العام 2003 لتحرير 160 ألف أسير أميركي!
يقول لينين إن الثورة الشيوعية هي فكرة مضاف إليها الكهرباء، وربما يكون الربيع العربي الطبقة الوسطى مضافا إليها الإنترنت، وليس الربيع حدثا منفصلا مستقلا في العالم، ولنتذكر سلسلة الأحداث الكبرى التي وقعت في العالم منذ نهاية الثمانينيات، نهاية الاتحاد السوفيتي والتحولات الكبرى في أوروبا الشرقية! والنهايات الأخرى الكثيرة جدا، يمكن إحصاء مئات النهايات التي وقعت في السنوات العشرين الماضية، نهاية المكان، نهاية الجغرافيا، نهاية التاريخ، نهاية الدولة، نهاية الأيديولوجيا، نهاية الكتاب، نهاية المؤلف، نهاية المدرسة، نهاية القومية، نهاية المدينة، نهاية العمل والوظيفة، نهاية الطبقة الوسطى، نهاية الوسطاء، نهاية الذاكرة، أو ما بعد الحداثة، ما بعد السياسة، ما بعد النفط، ما بعد المعلوماتية، ما بعد الإنترنت، أو مزيج من النهايات والـ ما بعد، مصانع بلا عمال، ومدارس بلا مدرسين، مكتبات بلا كتب، وموظفون بلا مكاتب، أفلام بلا ممثلين، تعليم بلا معلمين، صحة وعلاج بلا أطباء.
ولو نظرنا حولنا وأحصينا الاستخدامات الجديدة في حياتنا وما غيرته في عالمنا وعلاقاتنا ومواردنا وأعمالنا وأفكارنا، الإنترنت والفضائيات والموبايلات، ولو نظرنا فقط مجرد نظر في المحلات التجارية والشركات والأعمال التي قامت في السنوات العشرين الماضية وتلك التي اختفت ولم تعد موجودة أو التي تغيرت في طريقة عملها وعلاقاتها ومواردها، سوف نجد أننا في عالم جديد مختلف وأننا بالفعل في مابعد نهاية العالم، العالم الممكن تسميته "الصناعي" وعالم ما بعد الصناعي أو المعلوماتي او المعرفي.
ما معنى الموارد وكيف نعبر عنها اليوم في مابعد نهاية العالم؟ كان المال هو الأرض والخيل والإبل والغنم والبقر،... ثم صار الذهب والفضة، وكان فلاسفة وحكماء لا يعدون الذهب والفضة من المال، يقولون اذا اخذت منهما لا ينفدان واذا تركتهما لا يزيدان، ثم صار المال هو الأوراق المالية، الدنانير والدولارات، ثم صارت الثروة شيكات وأرصدة بنكية، واليوم فإن المال آحاد وأصفار، ومضات الكترونية وبطاقة بلاستيكية
ما ثروتك سوى رقم سري وشريحة!
وربما في الغد القريب (وهذا صار ممكنا ومطبقا بالفعل) أن تكون شريحة يحملها أحدنا أو تزرع في جسمه، فتعرف بها في البنوك والمؤسسات والمكاتب، وبيتك أيضا لن تستطيع دخوله الا بهذه الشريحة فإن فقدت او تلفت تتحول الى لاشيء، إلى أين سيمضي بنا الاستنساخ؟ إلى أين سيصل بنا التصغير؟ تصغير أجهزة بالغة الذكاء، يمكن أن تصل إلى دماغ الإنسان وسائر أعضائه فتجري العمليات الجراحية وتبدل وتغير الجينات وتعدل السلوك...؟ إلى أين ستصل التقنية الحيوية؟
لننظر في الإمكانيات التقنية المتاحة وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهذا السؤال بالمناسبة يشغل عددا كبيرا من العلماء والباحثين في الغرب وقليلا من العرب، ويمكن أن نجد آلاف الكتب والدراسات المتاحة، والكثير منها لحسن الحظ ترجم إلى العربية، وقد عرضت في الغد عددا من هذه الكتب، مثل الخمسون سنة المقبلة ومستقبل العلوم في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين (3/8/2011) والطاقة: التقنيات والتوجهات للمستقبل (19/10/2011) والماء وتقنيات مياه الصرف (28/9/2011)، والدولة في الألفية الثالثة (10/8/2011) وكتب أخرى كثيرة متاحة في أرشيف الغد على الإنترنت.
ويمكن أن نتخيل الكثير جدا من الخيالات "الواقعية" عما يمكن أن يحدث أو ما سوف ينشئه ما حدث بالفعل من تأثيرات وتداعيات في "العالم الجديد" أو ما بعد نهاية العالم،... وهذا يصلح لمقالات كثيرة ونقاشات وحورات طويلة لا تنتهي!!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عظيم جدا (ذويزن سفيان بدير)

    الجمعة 14 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    قراءة اكثر من رائعة للماضي و الحاضر ..
    و لحسن الحظ ايضا مقالات رائعة تلفت الانتباه لنقاشات و خيالات واقعية مفيدة..