محمد أبو رمان

هدية صباح السبت!

تم نشره في الجمعة 7 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً

في سياق التحليل السياسي ومتابعة التطوّرات الميدانية يوماً بيوم، وربما ساعةً بساعة، تنطوي وتتوارى قضايا وأحداث وقصص على درجة كبيرة من الأهمية والروعة، قد يكون لها حضورها الذي تستحقه في كتب التاريخ غداً عندما تتلاشى الغيوم ويبزغ الفجر، ويبدأ نور الشمس بالسطوع؛ عندها فقط سيتذكّر الناس قيمة أبطال تاريخيين، وماذا صنعوا.
مناسبة هذه المقدمة هي تلك الجائزة التي نالها المخرج الشهيد باسل شحادة (38 عاماً)، في مهرجان سينمائي –خصّص لإنصاف إبداعات الثورة- عنوانه "الشعب يريد"، عن فيلمه الرائع "هدية صباح السبت".
مدة الفيلم في حدود 3 دقائق فقط، لكنّها تختزل بحق وبعمق مدهش (عبر قصة إنسانية بسيطة) حجم المأساة الكبرى التي حلّت بالشعب السوري ثمناً لمطلب أساسي وبدهي، تحقّق في أغلب دول العالم (باستثناء عالمنا العربي وبعض الدول البدائية)، ألا وهو الديمقراطية والحرية، فكان ردّ نظامه على ذلك قصفا بالقذائف والصواريخ وعشرات الآلاف من الشهداء ومئات الآلاف من اللاجئين، وعشرات الآلاف من المعتقلين، ومآس كبيرة ومجازر دموية، تمثّل وصمة عار في تاريخ البشرية بأسرها.
الفيلم متاح على شبكة الإنترنت (على موقع "يوتيوب"). ويشير شحادة في مقدمته إلى أنّه مبنيٌّ على رواية حقيقية لبطل الفيلم؛ الطفل الصغير. وهو الفيلم الثاني للمخرج بعد فيلمه الأول "أغاني الحرية"، الذي يمتد إلى أقل من نصف ساعة، ويحاور فيه سوريين (منهم رزان زيتون؛ الإعلامية والأديبة السورية المبدعة) وأميركيين (في مقدمتهم نعوم تشومسكي؛ المفكر المعروف بنقده للسياسات الأميركية)، عن الثورة السورية والنموذج الذي تطرحه اليوم.
كان نصيب شحادة شظيّة صاروخية وهو يتنقّل في حمص يرصد أحداث الثورة اليومية ويسجّلها، وتضحيات المجتمع السوري ومعاناته في مواجهة آلة التدمير والحرق. وأحسب أنّ قصة شحادة بحد ذاتها ستكون غداً موضوعاً لمخرج آخر يستخرج منها فيلماً يسجّل حالة من حالات التضحية والوفاء والإنسانية التي سجّلها شحادة، وهو الشاب الذي عاد من دراسته في الولايات المتحدة الأميركية ليشارك في تسجيل أحداث الثورة، ويعلّم الثوار استخدام تقنيات الكاميرات وتسجيل ما يقع يومياً. وقد قام بدور مهم في لحظة خطيرة جداً، ليس فقط على صعيد الرصد والتسجيل والتدريب، بل على صعيد إدماج الفن في ملحمة الثورة، وقيامه بدوره النضالي وتحقيقه للرسالة السامية والأخلاقية له في الدفاع عن الشعوب وحرياتها وكرامتها وحقها في الحياة وفي تقديم الأدلة والبراهين ضد الانتهاكات والظلم.
شحادة ليس إلاّ نموذجاً من آلاف النماذج الرائعة التي قدّمها الشعب السوري اليوم، ودفع من خلالها فاتورة الحرية، وقيّض فيها حقه في الحياة الكريمة. وها هي الثورة توشك أن تصل إلى مبتغاها، وكم كنّا نتمنّى أن تبقى بيضاء سلمية إلى النهاية، لكن هذا الطموح غير ممكن ولا واقعي مع نظام واجه هتافات الحرية بالرصاص والصواريخ والمجازر والمعتقلات، ومع نظام لم يتوان عن قتل الأطفال والنساء واعتقالهم وتعذيبهم.
نعم "هنا دمشق"، وستبقي دمشق وحمص وحلب وحماة وإدلب، وكل المدن السورية الجميلة، حاضنات للحضارة والتاريخ، ومصانع للمستقبل. وستكون سورية غداً أقوى وأعزّ من سورية الأمس، لأنّ هذا الشعب يستحق فعلاً المستقبل، وهو لم يثر انتصاراً لإمبريالية ولا ليعود للعصور الوسطى، بل ليعيد أعز شيء اغتصب منه: حريته، وليسير باتجاه الطريق الوحيدة إلى المستقبل: الديمقراطية.

[email protected]

التعليق