علاء الدين أبو زينة

الشتات الفلسطيني.. الحل "المرحلي"

تم نشره في الخميس 6 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً

في الفصول الفلسطينية الأخيرة، ثمّة شيء بالغ الخطورة لا يني ينسل بنعومة الأفعى تحت كومة القشّ: إهدار الحق الفلسطيني في فلسطين التاريخية (1948+1967)، وتعويد الشتات الفلسطيني على التسليم باستحالة العودة، وتبديد الأمل. وإذا كانت الصهيونية ومتعلقاتها تشتغل بذلك بدأب الواعي، لمفصليته في إنجاح مشروعها الاستعماري، فإن غير المفهوم هو الخطاب العربي-الفلسطيني المريب، بل المتواطئ على الذات، والذي يغالط الوعي الفلسطيني نفسه!
بمقارنة مدرسية -لا أحبها بدءاً- بين الطريقة الصهيونية والطريقة العربية-الفلسطينية:
عندما فكر أحد ما –ثيودور هرتزل أو غيره- باختراع فكرة وطن اليهود، فإنه لاحظ حتماً أنّه بصدد تجميع المتفرّق، وتوحيد المختلف، واجتراح شيء من العدم: هوية شعب بثقافة وحضارة وأسلوب حياة، وحكاية؛ تلك العناصر التي تولد عادة ولادة طبيعية فقط، من العيش الطويل المشترك في الموطن المشترك. ولم يكن بين يديه سوى أسطورة قديمة يمكن أن يستنهضها في أتباع دينٍ مختلفين داراً ولساناً، وبلا خصيصة واحدة من خصائص الأمم. وكان العنوان: الشتات. ومنه بدأت صناعة "الحكاية": ثمة "شعب" منحه الله أرضاً بمشيئة لا ينبغي أن يعارضها البشر، وهو "شتات" في أقطار الأرض، ويريد حقّه في "العودة" إلى أرض الأجداد بعد 3000 عام.
واستبعد ذلك "العقل" الصهيوني أطروحة "الواقع على الأرض" المُحبطة، وحقيقة وجود شعب حقيقيّ حيّ يعيش في الأرض المقصودة ويعمُرُها. فكر باستحالة المستحيل؛ بكيف يرتب "الواقع" بالإرادة والعمل. وبدأ بصناعة هذا "الشتات" وتجميعه وتزويده بالفكرة أولاً، ثم صفع العالم به وبمطالبه العنيدة. وصنعوا منظومة مفهومات مُرفقة بتأويلاتها ليفهمها العالَم كما هي: "الشتات"، "الحق الإلهي"، "الهولوكوست"، "الضحايا"، "أرض الميعاد". ونزلت الميتافيزيقا من عليائها للعمل الدنيوي: بجمع الأموال؛ بخلق المنظمات وحركات الشبيبة؛ بوكالة الهجرة؛ بشراء الأرض، وقرارات وذمم النافذين؛ بتهيئة السلاح والتحضير السياسي. والفكرة: لفّق حكاية؛ صدقها حدّ الإيمان، وكررها على سمع الآخرين حتى يصدقوك –ولو مللاً.
ونحن: تشرّد الفلسطينيون قبل عقود فقط –أقل كثيراً من 3000 عام. وما يزال كثيرون من الذين هُجّروا في العام 1948 أحياء يُرزقون. وأصبحوا "شتاتاً"، نعم، لكنه شتات متمايز متطابق اللغة، والعرق، والتاريخ والثقافة، والأرض. وهو يحمل، رسمياً، هوية أممية قانونية تعترف بأنه لاجئون، وفلسطينيون، ومهجّرون. فما الذي يفعله "العقل" السياسي الفلسطيني؟ ابتكر فكرة "الحل المرحلي"، ليستعيد الوطن جزءاً فجزءاً، فأسقط الحقّ الفلسطيني قطعة فقطعة حتى ورقة التوت. وكان العنوان: إقصاء الشتات الفلسطيني: قانونياً وخطابياً بقبول فكرة "اللاعودة" مزوقة في هيئة "العودة الرمزية والتعويض" للاجئين، والاعتراف بأرض الفلسطينيين "الآخرين" حقاً مشروعاً للغزاة. وإقصاء الشتات ممارسة، بالإهمال: استبعاد اللاجئين من شرف النضال وتجريدهم من ضرورتهم؛ لا تواصل منظماً معهم؛ لا خطة وطنية تستثمر في طاقاتهم؛ لا حظّ لهم في القرار الفلسطيني، ومنه مصيرهم؛ لا أطراً تجمعهم. وفي النهاية، أصبحوا حجر العثرة في طريق "الحل" –التكتيكي- وحبذا لو يبتلعهم البحر.
الآن، أصبح مَن يذكّر بالشتات الفلسطيني ثقيلاً، صفيقاً، هوايته نكء الجراح. إنّه يقرص الضمير حين يستحضر اللاجئين، ويصر على حقّهم الطبيعي والأخلاقي والقانوني الذي لا يسقط بالتقادم في العيش في وطنهم. إنه يضع العصي في الدواليب. والحقيقة؟ إنّ المعروض الأممي، والعربي، والصهيوني و"الفلسطيني" الرسمي الراهن يعني: إن المقدر لسبعة ملايين وربع المليون لاجئ فلسطيني في الشتات، أن يكونوا بلا وطن، ولا مطالبات. يعني: إعدام هوية اللاجئين، وقطعهم عن أي جذور، وإجهاض كل ما واجهوه واجترحوه للإبقاء على الوطن في القلب والذاكرة.
إذا كان المشروع الاستعماري الصهيوني سيفشل حتماً، فذلك لأنه لم يستطع إبادة الفلسطينيين -رغم التهجير، ولا إسقاط هويتهم في ثقب النسيان.. فلماذا نقللهم نحن ونطردهم لحسابه؟ لماذا يعمل الفكر الفلسطيني "البراغماتي" على تفريق المجتمع، وتفتيت المتحد، وتحويل الموجود إلى عدم؟ ولماذا هذا العزل والتشتيت والتفكيك للهوية الراسخة في اللاجئين، والثقافة والوطنية والأشواق المشتركة؟
أحوال الشتات الفلسطيني المهمل، والخطاب الإقصائي في حقه، جريمة انتحار منهجية في "التكتيك" الفلسطيني. وباستثناء الجهد الفردي الذي تبذله منظمات مجتمع مدني ضعيفة الإمكانات بدأب النمل لتوحيد الشتات وصيانة ذاكرته، تهمل "الدولة" الفلسطينية رعاياها، فتنذر نفسها، بمديريها، لشتات أبدي، نهائي!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »قتل الجمل (د. عبدالله عقروق / بيروت مؤقتا)

    الخميس 6 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    من اروع ما قرأت عن الشتات يا ولدي .فاذا أمر الله ، سبحانه وتعالى بان يفتل الجمل بأكمله ليطعم واويا صغيرا .فهذه مشيئة الله . ولنصغي جيدا . فلنصغي جيدا لأرادة الخالق .قتل الجمل .وكان هذا الجمل هو الشعب الفلسطيني ..وأن أردنا أن نلعن من هم العرب الذين باعوا ضمائرهم وملؤا جيوبهم ، وأرصدتهم في البنوك ،هم معظم القادة العرب والفلسطينين ... الفلسطينيون في الشتات ليس لهم من يمثلهم .لذلك وصلت قضيتهم الى الامم المتحدة وأخواتها للمداولة بها دون وجود لجنة منهم لتدخل بالحوار مع هذه المنظمات .أما ما تبفى من الفلسطينين المتواجدون في المخيمات الفلسطينية ، والدول المضيفة ترفض البقاء في اراضيهم،فهذه المشكلة يسعى الغرب بالتداول بها ..ما هو حاصل الأن بأن الأردن هو المكان المناسب. ودول الغرب على أتم الأستعداد لتسديد كل ديون الاردن للبنوك الدولية ، وكل عجز الموازنة لتنتعش الأردن ماديا ..واذا كان هنالك تعويضا لهم ، فسوف ينعش هؤلاء اللاجئين جدا ..وصلنا يا ابني الى المراحل الأخيرة لما كان اسم فلسطين فبل 1948 من اكثر العالم العربي ثقافة وعلما ونهضة وتقدم وازدهار ، حيث كان الكثير من العرب يعتبوها منفسا لهم ..ولنعود الى حكمة الله والجمل ، "فتل الجمل "