عرس ومأتم في قاعة واحدة

تم نشره في الثلاثاء 4 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً

كان المشهدان المتقابلان في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والصورتان اللتان تجلتا فوراً على جانبي الصراع المديد في فلسطين التاريخية، معبرتين أبلغ تعبير عن جوهر هذا الصراع الذي كان كل مكسب سياسي لجانب يشكل خسارة صافية للجانب الآخر، وكل بهجة هنا تنتج كآبة هناك، وذلك بحسب ما ارتسم على وجوه أعضاء الوفدين المتواجهين في الجمعية العامة من انفعالات متناقضة، وما نطقت به الاحتفالات الفلسطينية العارمة بعضوية الدولة المراقبة من جهة أولى، وفاضت به ردود الأفعال الإسرائيلية الهائجة من جهة ثانية، الأمر الذي بدا وكأن عرساً ومأتماً تجاورا في قاعة واحدة.
وأحسب أن الحفاوة الحقيقية التي استقبل بها الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة قرار الجمعية العامة، كانت تشير في جوهرها العميق إلى توق فلسطيني شديد إلى السلام والاستقلال والحرية، وإلى شعور عميق بجدوى خيار الدبلوماسية، وإلى حسّ بالكرامة والجدارة والندية، وذلك بعد سنوات طويلة من اليأس والإحباط الذي كان يتغذى من إخفاقات عملية السلام، ويتعاظم بفعل سياسات الاستيطان والحصار والإفقار.
وفي المقابل، فقد جاءت ردود الأفعال الإسرائيلية على القرار الأممي، بكل ما انطوت عليه من أقوال مأزومة وأفعال انتقامية أولية، لتدل دلالة قاطعة على أن إسرائيل المتبتلة في محراب القوة العمياء، لا تحسن القراءة المتمعنة للتطورات المتراكمة على أرض واقع إقليمي ودولي لم يعد، كما كان في الماضي، يصغي لها باهتمام، ويجاملها بأكثر مما ينبغي، بل ويشد على أيديها، ويصدق روايتها، ولا يلتفت إلى عذابات ضحية احتلالها الذي بدا وكأنه احتلال بلا نهاية.
إذ في الوقت الذي رأى فيه الفلسطينيون أن التصويت الكاسح داخل الجمعية العامة، كان رد اعتبار لهم، وتصحيحاً طال انتظاره للغبن التاريخي الذي لحق بهم، وتأكيداً على صحة خيارهم القائم على العمل السياسي والصمود والمقاومة، رأى الإسرائيليون في هذه الواقعة التصويتية اللافتة أنها تشدد من العزلة الدولية المتنامية حولهم، وتسحب أكثر فأكثر من صدقية خطابهم، وتضعهم وجهاً لوجه أمام حقائق لم يرغبوا في رؤيتها من قبل.
ولو شئنا أن نختصر ذلك الموقف الذي أفرزته الجمعية العامة بالأمس القريب، لأدركنا أن صورة إسرائيل الطالعة من رماد المحرقة النازية، كدولة ناجحة وديمقراطية، وذات رواية لاذعة تحتكر صفة الضحية الأبدية، قد تآكلت كثيراً، واختلطت ألوانها بشدة، تحت وقع مشاهد الغطرسة والاستعلاء، ومخلفات حروبها من أشلاء الأطفال والدمار، وشهيتها المفرطة إلى نهب الأرض والاستيطان، وانتهاكاتها الفظة لحقوق الإنسان.
لقد تمكن الشعب الفلسطيني، عبر كفاحه وصموده واعتداله، من بعث نفسه من العدم كطائر الفينيق، وتغيير صورته عن نفسه في مرآة ذاته كشعب ليس فائضاً عن جغرافيا الشرق الأوسط، واستعادة الكثير من مقومات أهلية انتسابه للأسرة الدولية، وذلك من خلال جمع النقاط القليلة والمكاسب المتفرقة، والبناء على ما يتم تحقيقه بصعوبة، وفتح ما أمكن له من نوافذ فرص موصدة، والقبول بالتدرج والمرحلية في الوصول إلى غاياته المقبولة.
خلاصة القول، إن البيئة الإقليمية والدولية التي منحت إسرائيل أفضليات كثيرة، وأدت إلى احتضانها بقوة، والتغاضي عن ارتكاباتها، وتعزيز شرعيتها، قد تغيرت اليوم عما كانت عليه لصالح من حاولت تغييبهم بالكامل، والافتئات على حقوقهم بالمطلق، وحكمهم بقوة احتلال غاشم، وذلك بعد أن تمكن الفلسطيني من الإمساك شيئاً فشيئاً بزمام أمره، وتلاوة روايته عن نفسه بنفسه.
والحق أن قرار الجمعية العامة هذا لا يبعث لدينا أي وهم بأن الوضع تحت الاحتلال قد يتغير بين عشية وضحاها، أو حتى في المدى المنظور. إلا أنه يمكننا القول أيضاً، إن الفلسطينيين قد أخذوا حقهم الضائع –أخيراً- من الأمم المتحدة، التي كانت قد منحت مثله لإسرائيل قبل أكثر من 65 سنة، وأنهم قد أضافوا نقطة كبيرة في كأس الماء التي لم تمتلئ بعد، وقد لا تمتلئ قريباً، وأنهم اليوم باتوا أكثر قدرة على تبرير مقاومتهم الشعبية وخطابهم السلمي وواقعيتهم واعتدالهم أمام أنفسهم أكثر من ذي قبل.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عرس ومأتم في قاعه واحده (فواز النهار)

    الثلاثاء 4 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    استاذ عيسى صحيح المشهد عرس ومأتم . نبارك للشعب الفلسطيني الشقيق الأعتراف به كدوله وآن ألأوان للأمم المتحده بأن تصحح خطأ ارتكبته قبل 65 عام بحق شعب يستحق الحياة بأمتياز وقد تعلمنا ان لا نيأس وما في شيئ مستحيل وانشاء الله القدس قريبآ ونزورها سويآ . يسعد صباحك استاذ عيسى