عيسى الشعيبي

ترقية فلسطينية مستحقة

تم نشره في الجمعة 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً

من المرجح تماماً أن تكون الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أنجزت فجر هذا اليوم عملية التصويت على مشروع قرار ترقية فلسطين إلى رتبة دولة مراقبة في المنظمة الدولية. وبالتالي، فان الأمر يحتاج إلى بضع ساعات أخرى للتثبت من نجاح هذا الجهد الفلسطيني المثابر. ومع ذلك، فإن المرء لا يخامره أدنى شك في أن الفوز سيكون حليفاً لهذا المسعى الذي تأخر كثيراً، وتعطل أكثر، وكان استحقاقاً مؤجلاً، بل وممنوعاً من التحقق طوال السنوات القليلة الماضية.
ورغم وجود بعض الأصوات الفلسطينية القليلة المعارضة لهذا الحراك الدبلوماسي المسنود بتوافق عربي، على إتمام خطوة طال انتظارها، فإن حالة الإجماع الفلسطيني شبه الكاملة، تعد أمراً نادراً في الحياة السياسية لشعب يعاني من الاحتلال والانقسام والشتات، ومظهراً حقيقياً من مظاهر العافية الوطنية الفلسطينية. وأحسب أنه إجماع لم تحظ به أي مبادرة دولية فلسطينية سابقة، بما في ذلك خطاب الرئيس الراحل ياسر عرفات في الأمم المتحدة العام 1974، إذ وُصف يومها بأنه حركة تفريطية شائنة.
ولعل الفضل في إسكات المستريبين هذه المرة، على نحو ما درجوا عليه إزاء أي تحرك سياسي، ومن ثم إحراج شتى فصائل العمل الوطني والإسلامي من المضي في التشكيك بمغزى هذا المسعى، وتأويل مقاصده على النحو الذي كانوا عليه دائماً، يعود في جانب رئيس منه إلى تلك التهديدات الإسرائيلية الفظة المحذرة، ناهيك عن الضغوطات الأميركية المعلنة ضد القيادة الفلسطينية، التي تلقت ما يكفي من الوعيد، وما يفيض من التلويح بسيف العقوبات المالية والسياسية الانتقامية، الأمر الذي أكد صحة هذا التوجه وضاعف أهميته.
ومن يعرف مدى شدة الضغوط القائمة على منطق التهويل والابتزاز؛ تلك التي تناوبت على القيام بها كل من إسرائيل والإدارة الأميركية، لثني القيادة الفلسطينية عن مسعاها في أن تكون الدولة رقم 194 في الأمم المتحدة، وردها بخفيّ حنين عن قرارها هذا، يدرك كم احتاج الرئيس أبو مازن الذي قاد هذا التوجه بنفسه، وحمل أوزاره الثقيلة وتبعاته الخطيرة بدون تردد، إلى شجاعة شخصية تحسب له، وقوة إرادة سياسية تسجل في رصيده، حتى يواصل غذّ السير على طريق محفوفة بالكمائن المميتة بدون أن يلتفت إلى الوراء مرة واحدة.
على أن أمر عضوية فلسطين في الأمم المتحدة، وهي تنال أغلبية نوعية وازنة، لم يكن ضرباً من ضروب الإقدام بدون تبصر، وخوض غمار هذه المعركة من غير عدة مناسبة واستعداد ملائم؛ فقد كانت المهمة التي بدت في وقت ما شبه مستحيلة، تقتضي عملاً دبلوماسياً منهجياً دؤوبا، واتصالات شخصية حثيثة مباشرة، وإنجاز واجبات منزلية مسبقة ومتقنة، وذلك حتى يأتي مشهد الجمعية العامة ليلة أمس لائقاً بهذا الحدث الذي كان ربحاً فلسطينياً صافياً مقابل خسارة إسرائيلية تامة.
وقد يقول قائل: وماذا بعد أن أصبحت دولة فلسطين عضواً مراقباً، وغدت واقعاً قانونياً ودبلوماسياً محققاً، طالما أن الواقع على الأرض سيظل كما هو، وأن الاحتلال باقٍ على حاله؟ ومثل هذا التساؤل يغفل حقيقة أن التراكم السياسي، وجمع النقاط الثمينة، وامتلاك المزيد من الروافع النضالية، وغير ذلك من المكتسبات المتفرقة في وجه عدو قوي لا يمكن هزيمته بضربة فنية قاتلة، هي السبيل المتاح لإنزال المصارع ثقيل الوزن عن خشبة الملاكمة مغشياً عليه، لا يقوى على المزيد من المنازلات المكلفة.
وهكذا، وقبل أن نغني الذاكرة البصرية بالمشهد الباذخ الذي تجلت عليه فلسطين في الجمعية العامة كدولة تصعد على درج رخامي في عمارة متعددة الطوابق، تكمن تارةً عند سلّمه، وتقفز طوراً سلمتين معاً، فإن من غير المبالغة وصف يوم التاسع والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، وهو التاريخ المصادف لليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، على أنه يوم مجيد من أيام فلسطين، يبعث في النفوس الملتاعة قدراً كبيراً من مشاعر الاعتزاز بهذه الروح التي لم تنكسر، وهذا الأداء الذي يستحق الثناء والإشادة.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق