د.أحمد جميل عزم

إيهود باراك.. قصة خيبة أمل

تم نشره في الأربعاء 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 02:00 صباحاً

إعلان إيهود باراك، وزير الدفاع (الحرب) الإسرائيلي، الاستقالة والخروج من الحياة السياسية، على خلفية حرب غزة الأخيرة، يمثل جزءا من مسيرة هزائم واهتزازات في إسرائيل، باتت تشكل الصورة العامة هناك.
كان باراك في سن الثالثة والخمسين عندما تسلم منصب وزارة الخارجية؛ الفتى المدلل لإسحق رابين وخليفته المنتظر. وكان اختياره له وزيرا للخارجية، وهو الذي ترك الجيش لتوه، بمثابة دورة تأهيلية دبلوماسية قبل رئاسة الوزارة.
جاء باراك محاطا بتوقعات عالية، ومحملا بأساطير دوره في عمليات معقدة، لا نعرف جزماً مدى دقة ما ينسب إليه فيها، بدءا من اغتيال قيادات في منظمة التحرير الفلسطينية في فردان ببيروت العام 1973، ثم قيادته وحدة كان من جنودها شقيق رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، قامت بعملية الإفراج عن رهائن من مطار عنتيبي في أوغندا، العام 1976. ثم الحديث عن دوره في اغتيال أبو علي حسن سلامة، القائد في "فتح"، العام 1979 في بيروت، ودوره في اغتيال خليل الوزير (أبو جهاد)، العام 1988.
يشيع القول إنّ باراك "أكثر جنود إسرائيل ألقاً"، وهو يمثل سيرة جندي غير عادي. تعلم الفيزياء، والرياضيات، والاقتصاد في الجامعة العبرية وفي جامعة ستانفورد الأميركية، إحدى جامعات النخبة الأبرز. ولكن هذه السيرة تهشمت في السياسة، كما تتحطم صورة الجندي الإسرائيلي منذ نحو عقدين.
يوم انتُخب باراك رئيسا للوزراء، العام 1999، وبعد أربع سنوات من تقاعده من قيادة الجيش، كانت توقعات كثيرين أنّ الجنرال القوي سيتوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين. ولكنه لم يستمر في الحكم أكثر من عامين، ظهر خلالهما في موقع المتردد وغير الواثق، الموزع بين التيارات السياسية. ووصلت المفاوضات ذروتها ونهايتها في عهده، عندما حدثت مفاوضات كامب ديفيد العام 2000 وطابا العام 2001، بدأ عملية تدمير المقرات الأمنية والسلطة الفلسطينية، وهي مهمة أتمها خلَفه آرييل شارون.
جاء وصول المفاوضات ذروتها في عهده مدفوعا بضغط أميركي، وضغط شركائه اليساريين في الحكومة، أكثر منه نتيجة تصور واضح وعزم حقيقي. ومثّل قراره الخروج أحادي الجانب من جنوب لبنان انتصارا لحزب الله. وقد يسجل التاريخ أن هذا النوع من الانسحاب ليس هزيمة عسكرية، بقدر ما هو هروب من التوصل إلى اتفاقيات سياسية، أو هدنة عسكرية، تضع النقاط على الحروف. وهو خوف من مواجهة أحزاب ترفض السلام واتفاقياته.
قصة الفشل التي يجسدها باراك ليست شخصية، بل إسرائيلية؛ تعكس خللا في ديناميكيات الحياة السياسة الإسرائيلية. هو جزء من قصة فشل السياسيين وهم يحاولون الصعود إلى الحكم على الدبابة، وفوق الجثث، بدءا من شمعون بيريز الذي كان في موقع انتخابي يبدو مريحا العام 1996، فغزا جنوب لبنان، وارتكب مجزرة قانا، وخسر الانتخابات. كما أنه جزء من قصة النقابي عمير بيريتس الذي تسلم وزارة الدفاع بدون خبرة عسكرية، ليقود حملة فاشلة ضد حزب الله العام 2006، فيأتي باراك في العام التالي ليقود "العمل" ثانية. وبذلك، ونتيجة حرب غزة الأخيرة، فإنّ باراك جزء من تراجع صورة الجندي الإسرائيلي الذي يخرج من مغامرة فاشلة إلى أخرى.
باراك جزء من عقدين من الزمن وصل أثناءهما القيادة السياسية في إسرائيل أشخاصٌ بدون خبرة حكومية كافية، مثله هو ونتنياهو الذي تسلم رئاسة الحكومة لأول مرة العام 1996، بدون أن يكون قد تقلّد وزارة ولو لمرة واحدة، أو آرييل شارون الذي كان قد تقاعد، وكان الاعتقاد السائد أنه لن يعود للسياسة، أو سياسيين خرجوا بقضايا فساد مثل إيهود أولمرت.
على أنّ باراك رغم كل شيء كان عنصر اعتدال وتمهل في الحكومة اليمينية الحالية، وبدا قناة وملجأ للطرف الأميركي في التعامل مع الحكومة، وساهم في ضبط بعض أفكار المغامرات الإسرائيلية في حالات مثل إيران.
يجسد خروج باراك كل ذلك. ولكن، كما عاد شارون من الماضي إلى الحكم، وكما يستمر شمعون بيريز قائدا سياسيا منذ نحو ستين عاما، لا يمكن الجزم أن مغادرة باراك نهائية، وأننا لن نراه العام المقبل وزيرا مجددا، خاصة أنّ نتنياهو قد يستخدمه أداة توازن، وليحمّله مسؤولية رفض بعض الخطوات التي يريدها أنصار نتنياهو في أقصى اليمين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »احترم باراك المستقيل (مقدم متقاعد حسن ربابعة)

    الجمعة 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    احترم فيه صراحته في اعتزاله العمل السياسي عندما فشل في حرب غزة 2012م واتمنى ان يحتذي حذوه كل فاشل ولا يبقى ملزقا في منصبه ويدعي بطولات فاشله