د.باسم الطويسي

كشف حساب وطني

تم نشره في الأحد 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 02:00 صباحاً

إذ يلتقط الأردنيون أنفاسهم بعد أن مرت الأيام الأربعة الأولى من الأزمة بأقل الخسائر، فإن حسابات اليوم التالي التي لم تبدأ عمليا هي الأكثرر حساسية والأعمق أثرا، وأهمها حينما تكتشف كل أسرة مدى انعكاس ارتفاع الأسعار على التزاماتها اليومية والأسبوعية، فيما تبدأ ردود الفعل ذات الطابع السياسي والمدني بفرض حضورها بقوة، وأهمها إضراب المعلمين الذي دعت له نقابة المعلمين اليوم، وإضرابات طلابية دعا لها عدد من الاتحادات الطلابية في الجامعات،  إلى جانب تعبيرات مدنية أخرى مثل التوقف عن العمل في بعض المرافق الحيوية في البلاد والتي يهدد بعضها بتعطيل الحياة والمصالح.
 صحيح أن الحكومة لم تكن موفقة في توقيت إعلان إجراءاتها الاقتصادية ولا في الطريقة التي قدمتها للناس، ولا في الحملة الإعلامية التي حاولت أن تدافع من خلالها عن تلك القرارات، ولا حتى بالحد الأدنى من الإجراءات الموازية التي طالما طالبت بها أصوات عقلانية للتخفيف من حدة القرارات التي تحوّلت الى سُم لا بد من تجرعه، لكن ردود الفعل الدولية التي كانت في الأغلب إيجابية حيث كان الخبر الأردني رئيسيا في وسائل إعلام عالمية عديدة لا تعني الركون إلى الطمأنينة مهما منحنا العالم من عواطف بدون أن يصاحبها تقدير حقيقي لمصالح المجتمع والدولة الأردنية، ولا يجب ان تعني اي تصعيد في مواجهة الحراك الشعبي؛ فالرسائل المطلوبة من الدولة في هذا الوقت يجب أن تتوجه إلى الداخل أكثر من الخارج. الداخل يحتاج في هذه اللحظات إلى كشف حساب وطني على الحكومة ومؤسسات الدولة أن تسارع الى تقديمه للشعب الأردني.
كشف حساب وطني عنوانه الإفصاح والشفافية والوضوح يجيب عن السؤال المركزي؛ كيف وصل الاقتصاد الوطني إلى هذا الحال ومن المسؤول عن ذلك، كشف حساب وطني يفتح ملفات الفساد كافة على مصراعيها، ليس الملفات المشكوك فيها أو التي بنيت على مجرد إشاعات واتهامات، بل ملفات الفساد شبه المكتملة التي اتخذت قرارات رسمية بإغلاقها. هذا ما يطفئ غضب الأردنيين ويجعلهم شركاء مع الحكومة في تحمل أعباء الأزمة الاقتصادية. كشف حساب وطني حول أرقام الهدر الرسمي في نفقات الدولة وخطة موازية وحقيقية لإيقاف الهدر لا تتوقف عند مراقبة سيارات بلدية نائية في وادي عربة، بل تبدأ بالدوار الرابع. كشف حساب وطني يكشف ارقام الضرائب الحقيقية ومستويات والتهرب والهدر ، كشف حساب وطني ببرنامج زمني حول خطوات الإصلاح السياسي، وكشف حساب وطني لإرساء العدالة الاجتماعية في التنمية والعدالة التوزيعية، توازيه خطة طوارئ تنموية للمحافظات.
البلاد بحاجة إلى كشف حساب وطني يتجاوز ثقافة التستر السياسية، التي ترفض الاعتراف بالأخطاء، وتصر على إعادة إنتاجها مجددا، ترفض الاعتراف بالفساد، بل أقامت حول الفاسدين حصونا منيعة. ثقافة سياسية حاولت أن تزرع خوفا مرضيا حول الإصلاح، ثقافة  بائسة لها تعريفها المفرط بالتطرف للانتماء والولاء الوطني، تدير الدولة بمنطق التكسب الشخصي والاسترضاء وأخلاق تجار التجزئة ويوما بيوم.
البلاد بحاجة الى كشف حساب وطني سياسي واقتصادي يعيد الطمأنينة للناس ويعيد بعض الثقة بقدرة الدولة على إدارة الاستقرار. هناك ثلاثة معايير أساسية تحكم قدرة أي نظام سياسي على الاستقرار والاستمرار؛ وهي القدرة على قبول النقد والتصحيح الذاتي، ومستوى المناعة الذاتية في مواجهة الأمراض والعلل، والقدرة على التجدد. ما يعني عمليا أن الدولة الأردنية تحتاج أن تمارس فعلا ثوريا داخليا يبقي مقود التغيير في يديها قبل أن يختطف منها.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الإعتراف بالذنب فضيلة (نضال طعامنه)

    الأحد 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    أتفق معك دكتور باسم ؛ فالإعتراف بالذنب فضيلة ’ على الدولة أن تقف وتعترف وتقول : كان هناك أخطاء سياسية وإدارية وإقتصادية . وأن تتبع ذلك الإعتراف بالإعتذار لأن هذه الأخطاء مست بمصائر الناس العاديين والمسيسين على حدٍ سواء , وحينما نقول مصائر نعني بها فرص التحول والتطور الإجتماعي والسياسي والإقتصادي ؛ لا بل كادت تمس إعتبار الناس وكادت أن تنطوي على نوع من الإهانة كحادثة تزوير الإنتخابات النيابية عام 2007 / ؛ هذا التزوير المعترف به رسمياً من قبل ثلاث رؤساء وزراء أردنيين حتى الآن . وفي غفلة من عين الرقابة الحكومية أو تغافلها نهش الفاسدون من مقدرات الدولة الكثير الكثير , لا سيما حينما هبت رياح الخصخصة والشريك الإستراتيجي وبدعة المؤسسات المستقلة وموجة الليبرالية الجديدة خاصةً عام 2005 / وما بعد , هذه الرياح أكلت الأخضر واليابس للإقتصاد الأردني وتركته صفصفاً لنصل إلى اللحظة الراهنة غير المنبتة والمنقطعة ـ بتاتاً ـ عن الفترات المشار إليها . الكل يتذكر قصة شركة أمنية وسكن كريم وقصة الفوسفات وغيرها من القصص ز حكومات كانت مشغولة عن المراقبة بقصص تعيينات وتزبيطات لنواب خدمات جاءوا بالتزوير والمال السياسي , أسعفهم قانون الصوت الواحد وحملهم هذا الصوت الواحد الجائر وغير المتوازن إلى قبة البرلمان , وكمثال على ذلك تعيينات الأمانة التي تمت عام 2011 / و 2012 / والتي أشار إليها الكاتب فهد الخيطان في مقال قبل ثلاثة أسابيع في جريدتكم الموقرة الغد , لقد كانت أكبركارثة أن يستمر مجلس النواب الأخير لمدة سنتين ونيف , وليته حُل قبل أن يكمل سنته الأولى ؛ لكان ذلك أفضل للبلاد والعباد وأفضل للدولة التي تدفع الآن أخطاء اختياراتها وقراراتها ومجاملاتها لبعض من لم يرعوا إلاً أو ذمةً ,
  • »الإعتراف بالذنب فضيلة (نضال طعامنه)

    الأحد 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    أتفق معك دكتور باسم ؛ فالإعتراف بالذنب فضيلة ’
  • »إعادة تموضع الأردن بربطه باقتصادات صاعدة لإنقاذ الإقتصاد (تيسير خرما)

    الأحد 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    تخاذل أمريكا وأوروبا واليابان والخليج عن دعم اقتصاد الأردن رغم سخرة الأردن لأهدافهم وضح أن تخيل أن تموضع الأردن بمكان لا لون له ينقذ الدولة هو مجرد وهم، بل ويدمر الإقتصاد والدولة، بالتالي فلنتيح لاقتصادات صاعدة الحلول محل اقتصادات غابت شمسها، وإعطاءها المقابل لتصفير كامل ديون الأردن والحصول مجاناً على جميع الأسلحة الدفاعية والطاقة والمياه، حتى لو كان موطيء قدم لروسيا على البحر الأحمر وللصين على حد العراق ولفنزويلا على حد سوريا ولإيران على حد فلسطين بل وإحلال لغاتهم بمدارسنا بدل لغات أوروبا خاصةً أنهم جميعاً يريدون بديلاً بالمنطقة لربيبتهم سوريا الساقطة لا محالة.