رنا الصبّاغ

اليوم التالي.. حدود الحكومة البرلمانية؟

تم نشره في الأربعاء 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:59 صباحاً

ينتظر الأردنيون ليروا تركيبة مجلس النواب المقبل والحكومة البرلمانية التي وُعدوا بها، قبل الحكم على صدق نوايا الإصلاح السياسي هذه المرّة، بعد عشرات الوعود خلال السنوات السابقة، والتي لم تفض سوى إلى تكرار تزوير إرادة الشعب بهدف تشكيل حياة سياسية ومؤسسات على "قد المقاس".
ورغم أجواء الشك المتراكم، هناك شبه اتفاق على أن عملية الاقتراع يوم 23 كانون الثاني (يناير) 2013 ستكون اختبارا مفصليا لمسيرة الإصلاح السياسي التي ستترجم على الأرض من خلال سلطتين: تشريعية وتنفيذية، وقد توفر استقرارا سياسيا داخليا، وتمأسس لحكومات برلمانية وتداول للسلطة بعد الانتخابات التالية العام 2017.
فلو شارك 50 % من الناخبين المسجلين في عملية الاقتراع، بضمان أول هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات، نكون قد بدأنا خطوة الألف ميل.
يستتبع بناء بيت الشعب، ضرورة تحديد مفهوم الحكومة البرلمانية الموعودة، وحدود تغيير آلية التشكيل خلال المرحلة الانتقالية.
ومن الصعب التكهن بفرص تشكيل "حكومة برلمانية"، ورسم خريطة قوى المجلس القادم الذي ستدخله أحزاب سياسية وسط مقاطعة جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين واسعة التأثير.
كما أن إمكانية إحداث تطور في المناخ السياسي ومخرجات عملية الاقتراع، تبقى ضئيلة بسبب قانون الانتخاب سيئ الصيت، والذي أبقى على الصوت الواحد وأضاف قوائم مغلقة على مستوى الوطن لملء 27 من أصل 150 مقعدا، ما عزز انطباعات بوجود إصرار على تقييد عملية التحول المنشودة.
إذ يتوقع عودة قرابة 70 من نواب البرلمان السادس عشر. ومن المستبعد تحسين مناخ الانتخابات في ضوء اصطدام مشاريع تشكيل قوائم وطنية "مغلقة" بعراقيل ستبعد مشاركة شخصيات مؤثرة، بمن فيهم رؤساء حكومات سابقون.
التقييم الأولي يؤشر إلى أن غالبية القوائم القوية لن تجمع أكثر من سبعة مقاعد، وسينحصر نطاقها بين مقعد وثلاثة مقاعد في حال نجحت الأحزاب والشخصيات في تجاوز الخلافات حول ترتيب الأسماء في القوائم؛ فالكل يعرف أن المرشح بعد الرقم الرابع هو تكملة عدد لا فرصة له.
النظام الداخلي لمجلس النواب لا ينص صراحة على الاعتراف بالكتل البرلمانية كأحد مكونات مجلس النواب التنظيمية، ولا يمنح أي حوافز لتشكيل كتل برلمانية ذات لون سياسي أو برامجي أو خدماتي واضح. وبالتالي، فهو يحول دون المساهمة في استقرار الكتل وبناء خطاب برلماني موحد متماسك.
الأحزاب السياسية المشاركة، من اليمين والوسط واليسار، لن تفوز بأكثر من 50 مقعدا في أحسن الأحوال، مستفيدة من قرار مقاطعة "الإخوان".
نحن أمام مشهد سياسي ونيابي مفتت.
لكن ذلك لا يقلّل من أحقية المرشحين في السعي وراء المقعد النيابي للتأثير في عملية تشكيل أول "حكومة برلمانية" في المملكة الرابعة. لكن يبقى السؤال المليوني: كيف سيتعامل "مطبخ القرار" مع خريطة قوى وتحالفات البرلمان المقبل، لتقديم وجبة "الحكومة البرلمانية" بطريقة تكافئ من تجشم عناء المشاركة في الانتخابات، أو تشجع المقاطعين على مراجعة شكوكهم حيال صدقية الإصلاح بعد سنوات من المراوحة واستخدام خطاب سياسي مفصوم للداخل والخارج.
فصانع القرار لم يشرح بعد معنى وعده بولادة "حكومة برلمانية" وفق برنامج وضعه منذ فجر الربيع الأردني السلمي (أواخر العام 2010)، قوامه تعديلات دستورية، وضمانات نزاهة مؤسسية للعملية الانتخابية على أساس قانون جديد يفتح المجال لقوائم وطنية وأحزاب للتنافس على قاعدة برامج قوية على مستوى الوطن.
يستبعد أن نتعايش مع "انقلاب أبيض" على صعيد آلية تشكيل الحكومات، بين عشية وضحاها؛ وذلك بسبب معطيات دستورية وسياسية وثقافية بغياب أحزاب سياسية فاعلة ذات قواعد شعبية متينة.
فلن يستطيع حزب سياسي واحد استقطاب أكثرية المقاعد حتى يؤثر في قرار تأليف الحكومات واختيار شخصية رئيس الحكومة، على غرار المفهوم الديمقراطي الغربي.
ولن تكون الحكومة البرلمانية الموعودة قريبة من هيكلية حكومة العام 1956 الحزبية، برئاسة سليمان النابلسي؛ أولى تجارب التشكيل على أساس ائتلافي، بما في ذلك الحزب الشيوعي. كما لن تحاكي تجربة إشراك نواب في الحكومات منذ بواكير تأسيس الإمارة، وحتى عودة هذه المعادلة مرحليا في منتصف التسعينيات.
من "بلّع البلد" قانون الانتخاب، قادر على التدخل لضمان تشكيل حكومة آمنة بذات الطريقة. "الدولة العميقة" قادرة على التدخل و"تزبيط الأمور كما تشاء، وثني أي حزب أو قائمة أو تحالف كتل عن فرض اسم الرئيس أو أي وزير، على صانع القرار".
التسريبات تشير إلى أن الحكومة المقبلة، بما فيها شخصية الرئيس، ستأتي نتيجة عملية "تشاور" غير ملزم بين القصر والمجلس الجديد.
هناك سيناريوهان.
الأول؛ أن يجري الملك عبدالله الثاني مشاورات مع القوى البرلمانية المؤثرة في المجلس المنتخب؛ قوى سياسية وحزبية وقوائم وطنية قادرة على تنظيم نفسها والتشارك مع شخصيات مستقلة على أسس سياسية أو برامجية. ويعرض الملك عليها ثوابت الدولة وتوجهاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في التعامل مع التحديات القائمة. ثم يستمع إلى برامجها العملية، بما فيها آليات معالجة الفقر، والبطالة، والمديونية، وعجز الموازنة، والإصلاح الضريبي، وكيفية تطوير النظام الانتخابي. وقد تقترح هذه القوى اسم رئيس الوزراء، لكنها غير ملزمة للملك، بخاصة أن المواد الدستورية المتعلقة بآلية تشكيل الحكومات وإقالتها لم تعدل. في المحصلة، سيختار الملك رئيس وزراء يعتقد أنه  قادر على إدارة المرحلة، من خلال تفاهمات مع قوى برلمانية، وتنفيذ الحد الأدنى من المطلوب.
بعد تسميته، يشرع الرئيس المكلف بمشاوراته مع الأطياف السياسية والكتل في المجلس. وفي أحسن الأحوال، قد تلزم هذه الكتل الرئيس القادم بتوزير أسماء تحمل توجهاتها من خارج المجلس.
ويبقى الأمل في أن تكسر الانتخابات قالب تشكيل الحكومات العشر التي تعايشنا معها خلال العقد الماضي؛ حكومات عكست حساسيات مجتمعية وسياسية، وضمت أعضاء بينها خلافات عميقة في وجهات النظر، وساهمت في تراجع هيبة الدولة وتراجع الثقة. حكومات دخلت وخرجت بدون أن يعرف الأردنيون كيف تم اختيارها، ولماذا أقيلت.
فهل تساعد الأحزاب والتيارات التي قد تصعد، على تغيير الثقافة السياسية وتحضير المسرح لحكومة برلمانية تخرج من رحم مجلس 2017؟

التعليق