أزمة الموازنة العامة: فتش عن "دجل" وتخريب السياسيين!

تم نشره في الاثنين 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 02:00 صباحاً

تستوقف المراقب، في الدراسة التحليلية لحجم الإنفاق الحكومي التي أجراها الزميل المجتهد يوسف ضمرة، ونشرتها "الغد" الأسبوع الماضي، مفارقة لافتة، ترد على بعض الهذيان السياسي الذي يساق بمناسبة وبغير مناسبة منذ نحو عقدين، حتى باتت حقيقة شبه مسلمة، يستمرئ توظيفها سياسيون أفاقون في صراعاتهم على السلطة، ويعملون وفق قاعدة النازي "غوبلز" الشهيرة: "اكذب.. ثم اكذب.. لا بد أن يصدقك الناس في النهاية"!
أرقام الدراسة، المعتمدة على أرقام موازنات الدولة منذ العام 2000، تتحدث، في جانب رئيس فيها، عن حجم التضخم الذي لحق بالإنفاق على الرواتب في القطاع العام، باعتباره أحد خمسة أبواب رئيسة أسهمت في تضخم الإنفاق الحكومي إلى مديات غير مسبوقة، والتي لم يجارها حجم واردات الخزينة. وبالتالي، دفعت للوصول إلى مرحلة الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة التي تهدد اليوم كل شيء.
فاتورة رواتب القطاع العام تضخمت ونمت من 375.8 مليون دينار العام 2000، الى 1.04 مليار دينار العام الحالي، بنسبة ارتفاع بلغت 179 %. فيما ارتفع حجم الموازنة الإجمالي من 2 مليار إلى 7.2 مليار دينار بين العامين المذكورين، بارتفاع نسبته 260 %.
طبعا، قيمة فاتورة الرواتب هذه لا تتضمن حجم الإنفاق على رواتب موظفي الوحدات الحكومية المستقلة، ولا مخصصات الرواتب في موازنة الدفاع، التي تضخمت هي الأخرى بصورة كبيرة.
المفارقة التي أتحدث عنها، ويسوقها سياسيون كحقيقة مسلمة، هي افتراض تراجع القطاع العام وضربه رسميا لصالح القطاع الخاص، ضمن نهج المدرسة الاقتصادية الليبرالية، التي تعمل على "تفكيك الدولة والقطاع العام"، بحسب هذه النظرية السياسية/ الاقتصادية/ الاجتماعية! هذه الفرضية التي تسوّق تراجع القطاع العام تنمويا واجتماعيا، تناقضها حقيقة تضخم فاتورة رواتب القطاع العام، وبما يفوق كثيرا فاتورة الدعم للسلع الأساسية، التي تستهدفها اليوم الحكومة كمخرج لأزمة الموازنة العامة.
ورغم الحديث الطويل، ومنذ عقدين أيضا، عن الترهل الكبير في القطاع العام، وتشبعه حد التخمة بالوظائف، وضرورة إصلاحه هيكليا، تكشف الأرقام اليوم، بعيدا عن دجل السياسيين، أن هذه الأزمة والمشكلة تضاعفت مرات عديدة، وأن الحديث الرسمي والتشخيص "العلمي" لهذه الأزمة ما هو إلا حديث للاستهلاك تناقضه الأفعال على الأرض، إلى أن وصلنا اليوم إلى عنق الزجاجة.
التبريرات الرسمية والسياسية لتواصل التعيينات، وبأعداد ضخمة، في القطاع العام، وبالضد من قدرة هذا القطاع والموازنة على التحمل، ركزت على أن الحكومات ساهمت عبر هذه التعيينات في الحد من مشكلة البطالة، وانعكاساتها السياسية والأمنية والاجتماعية، هي تبريرات قاصرة وغير دقيقة.
صحيح أنها سياسة ساهمت، في جانب ما، في الحد من البطالة، لكن فتح باب القطاع العام والهيئات المستقلة والبلديات لآلاف، بل وعشرات آلاف التعيينات، رغم الأزمة المالية الخانقة الممتدة منذ سنوات، جاء في الغالب لأهداف سياسية، وضمن سياسات رسمية قصيرة النظر. فآلاف الوظائف وزعت مرارا وتكرارا على نواب ومرشحين للانتخابات في المواسم الانتخابية الماضية، كما وزع الكثير من "مغانم" التوظيف على متنفذين سياسيين أو عشائريين، أو لشراء الولاءات. كل ذلك أوصلنا اليوم إلى مرحلة الأزمة الخانقة التي باتت تهدد حتى الوظائف ذاتها، والحقوق المكتسبة للموظفين، وقوت عيالهم وأطفالهم، عبر الاضطرار إلى اللجوء إلى رفع الدعم!
لا يمكن أن يكون حل مشكلة البطالة بزيادة تضخم وترهل القطاع العام، والضغط أكثر على الموازنة العامة، وغنما يكون الحل عبر تشجيع الاستثمار الحقيقي الذي يولد فرص العمل، وعبر توزيع مكاسب التنمية، والإبقاء على الدعم الحكومي للسلع والخدمات الأساسية التي تطال كل شرائح المجتمع.
مكافحة البطالة تتم عبر سلسلة حلول أخرى أساسية، كدعم المشاريع الإنتاجية الصغيرة في مختلف مناطق المملكة، والتدريب والتأهيل المهنيين، ودعم الزراعة والمزارعين وأصحاب الحرف والمهن.
قائمة الحلول للبطالة تطول وتطول، لكنها أبدا لا تتضمن دجل و"تخريب" السياسيين للقطاع العام، عبر تحميله ما يفوق طاقته وإمكاناته، فقط لأهداف سياسية قاصرة!

majed.toba@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اكذذب (متابع)

    الاثنين 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    تحليل دقيق وجميل.. فعلا اكذب اكذب اكذب حتى يصدقك الناس
  • »تعليق (مواطن)

    الاثنين 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    عزيزي كاتب المقال ! المشكلة ليست في الحكومة و التعيينات " و أسباسها " فقط و لكن المشكلة في الشعب اللي اذا أعطيته شغل في القطاع الخاص بضعف الراتب ما بيقبل لأنه مضطر يحلل قيمة الراتب اللي بياخذه بينما في الحكومة ماكل شارب قهوة و شاي و عامل جاهات و نايم و ما بيشتغل و بالأخر بياخذ راتب !!!!!! الناس بدها الطريق السهل , ما حدا بتعلم و بعلم أولاده أنه لازم نشتغل لنبني هذا الوطن!! بدليل و ضع جميع و أشكال المعوقات أمام مشاريع القطاع الخاص اللي بالوقت نفسه بفتح فرص عمل و بتقلل البطالة ّ!!!!!