اليتم الكروي

تم نشره في الأحد 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 02:00 صباحاً

قرأت هذا العنوان في إحدى الصحف الرياضية المتخصصة، التي تحدثت عن ظاهرة فرار الجماهير الكروية التونسية إلى الكرة الأوروبية، وهي ظاهرة أصبحت تستفحل كثيرا، خصوصا عند إقامة مباريات البطولات المحلية التونسية بدون جمهور، ما يجعل هذه المباريات كالمسرحيات الصامتة جنائزية تغم القلب وتشيع البؤس، ما أدى إلى انعدام الاهتمام بها أو متابعتها والهروب إلى البطولات الأوروبية، سواء على مستوى الأندية أو المنتخبات، اللهم سوى من المتعصبين لأنديتهم الذين يتابعون أخبارها فقط بدون الاهتمام بغيرها من الأندية.
في المقابل، وعند الحديث عن الكرة الأوروبية، خصوصا لدى الغالبية العظمى من جيل الشباب، فإنك تكتشف أن لديهم ثقافة عالية وإلماما واسعا يفوق التصور في شؤون هذه الكرة، خصوصا الفرق الكبيرة الشهيرة؛ مثل ريال مدريد وبرشلونة ومانشستر يونايتد وتشلسي وبايرن ميونيخ وميلانو وسان جيرمان وغيرها من الأندية الأوروبية العملاقة، فهم يحفظون التشكيلة الأساسية للفرق وكذلك أسماء اللاعبين وتاريخهم وأخبارهم عن ظهر قلب، وذلك في ظل هذا الانفجار الاتصالي الذي يملأ الدنيا وما تمنحه “مواقع الواب” لروادها من فرص متعددة ليكونوا مطلعين باستمرار على كل جديد.
لقد تم إجراء أكثر من استطلاع لمعرفة آراء عدد كبير من الشباب الذين هربوا إلى الكرة الأوروبية عن أسباب ذلك، فركزوا في ردهم بالقول: “هل لدينا بطولات محلية حقيقية؟”، وهل ترونها مقارنة بما نراه في الملاعب الأوروبية؟.
إن المواطن يتعرض لضغوط نفسية كثيرة في حياته اليومية، من خلال أوضاع اقتصادية صعبة واختناقات مرورية وضغط العمل، بالإضافة إلى ضعف المستوى الكروي وعزوف الجمهور وكثرة الاحتجاجات والتظلمات واتهام الكل للكل وعدم مهنية الإعلام، ما يجعله يسأم فيهرب لتعويضها بالكرة التي تشفي غليله وتوفر له المتعة، فينفعل معها ويتفاعل مع كل هدف أو فوز أو خسارة للفريق الأوروبي المفضل لديه، وهذا يوفر له السعادة ويعوضه عن كآبة الواقع لأنه أولا وأخيرا شاهد كرة جميلة تستحق ما دفعه من مال ووقت وأعصاب.
إن ظاهرة الإقبال المنقطع النظير من جماهير الكرة التونسية والعربية والذوبان في البطولات الأوروبية، جاءت نتيجة فقدان المتعة في الكرة المحلية للبحث عنها في تلك البطولات، ونراها صارخة في المقاهي التي يرتادها عشرات الألوف من أصحاب الدخل المحدود، من الذين لا يستطيعون دفع الرسوم أو ثمن البطاقات للقنوات الرياضية صاحبة حقوق البث، والتي بدورها رفعت أثمان المشروبات التي تقدم لروادها.
هذا الأمر في تونس البلد العربي الشقيق صاحب الأمجاد والبطولات الكروية على المستويات العربية والأفريقية وكأس العالم وعشرات المحترفين في شتى أنحاء العالم، فكيف الحال في الكثير من الدول العربية؟.
إنها ظاهرة مهمة جدا نتمنى أن تدرس من المختصين بعناية لتحسين أوضاع الكرة العربية والحفاظ على جماهيرها قبل أن يتلاشى الاهتمام بها نهائيا.

التعليق