ياسر أبو هلالة

اعتذار إلى طالبان ولكن

تم نشره في الخميس 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 02:00 صباحاً

عندما كتبت "مقاومة طالبان لا تعفيها من جرائمها"، لم أقطع أن الحركة هي من يقف وراء محاولة اغتيال الطفلة المدونة ملالا، ولكن التأخر في النفي أكد الانطباع بأن الحركة تقف وراء محاولة الاغتيال أو ترضى به. أما وقد صدر النفي الرسمي، فإن الحركة تستحق الاعتذار عن الاتهام. ولكن ذلك لا يغير من مواقفها تجاه المرأة والأقليات والفنون.
إن سلبيات حركة طالبان معروفة، وجرى تضخيمها والمبالغة بها لأسباب سياسية. في المقابل، ظُلمت الحركة؛ فهي تعبير حقيقي عن المجتمع القبلي الأفغاني (والباكستاني إلى حد ما) المتسم بالتشدد والتدين في آن. لم تكن الحركة اختراقا للمجتمع، بل هي تعبير عنه، وتوسعت بقوة الجاذبية لا بالإكراه. لقد أعادت الحركة الوليدة الناشئة الاعتبار لمعنى الدولة والقانون في ظل حكم أمراء الحرب الذين عاثوا فسادا بعد انتصار المجاهدين على الاتحاد السوفيتي.
الدولة هي التي تحتكر القوة المنظمة لتطبيق القانون، وأمراء الجهاد تحول أكثريتهم إلى قطاع طرق وأمراء حرب، وقامت الحركة بهزيمتهم وتجريدهم من سلاحهم. والقانون في أفغانستان، بإجماع القوى التقليدية والحديثة، هو "الشريعة" وبأكثر صيغها تشددا. وبالشريعة منعت طالبان للمرة الأولى، وباعتراف الأمم المتحدة، زراعة المخدرات.
عندما اعتقلت حركة طالبان الصحفية البريطانية في عز الحرب، كان بإمكانها قتلها بدون أن يعلم أحد، أو أن تقيم عليها الحد باعتبارها جاسوسة. لكن الحركة أحسنت معاملتها وأطلقت سراحها، وأسلمت الصحفية من بعد، وكتبت عن تجربتها كتابا.
لست معجبا بتجربة طالبان، ولكني أراها في سياقها التاريخي. وهي تجربة قابلة للتطور، بقدر ما هي مرشحة للانحدار، بحسب الظروف المحيطة بها. وهي تختلف كثيرا عن تجربة تنظيم القاعدة.
لا يعطي تشدد حركة طالبان الحق للولايات المتحدة في احتلال أفغانستان وفرض حكومة موالية، بل من حق الشعب الأفغاني أن يمارس حقه في مقاومة الاحتلال، حتى لو جلب المساعدات ونثر وعود التنمية والرفاه. ومن حقه أيضا التخلص من طالبان بنفسه، وطلب المساعدة الدولية إن شاء. وفي النهاية، كل المحتلين -من الإنجليز إلى السوفييت وصولا إلى الأميركيين- رفعوا شعارات جميلة لا مروعة. شاهد الناس في أفغانستان نموذجا فريدا في القيادة من طلبة العلم الشرعي الشباب التقي الورع المتعفف عن ملذات الدنيا. وبعد الاحتلال، شاهدوا بطولة هؤلاء الشباب وهم يهزمون الأميركيين. في كل المجتمعات، تصنف هذه الشخصيات في إطار الفروسية لا الإرهاب. المفارقة أن المجتمعات العربية فعلت ما فعله الأفغان مع نماذج أسوأ؛ فهي فضلت لعقود الأمن والاستقرار على الديمقراطية، مع حكام فاسدين وفاشلين مثل آل القذافي وآل مبارك وآل ابن علي وآل الأسد. وعندما ثارت، وُجه لها اللوم لأنها هددت الاستقرار الذي يشبه استقرار القبور. ورضيت الشعوب، إضافة إلى الأمن، دعايات فارغة عن الممانعة، في الوقت الذي يوشك الأميركيون إعلان انسحابهم من أفغانستان بعد المقاومة الضارية لطالبان.
في نفي محسود بصيص أمل، فحراك بالغ النعومة من طفلة هز بنيانا عاتيا كطالبان باكستان، ودفعه إلى تغيير ما. وهو ما يغري بالمقارنة مع توضيح  الخارجية السورية البذيء عن الطفلة طل الملوحي. فالحركة لم تتهم الطفلة بالعمالة ولم يطعن في شرفها. والمطلوب من الحركة التحقيق في الحادثة والاقتصاص من الجاني الذي أراق دما معصوما، وفوق ذلك أن تغير موقفها من المرأة بشكل ينسجم مع سماحة الإسلام لا مع تشدد القبائل. فكيف يوصينا النبي بأخذ ديننا عن عائشة رضي الله عنها ونحرم فتياتنا من التعليم؟ وكيف ننكر عليها العمل السياسي وقد كان للسيدة عائشة أدوار سياسية كبرى؟ ربما وصلت الرسالة إلى طالبان، ولكن بدماء ملالا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نفي لا يكفي ! (ابو خالد)

    الخميس 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    لا اعتقد بصواب ما ذهبت اليه يا استاذ ياسر من ان طالبان افغانستان و باكستان(الى حد ما) تعبير حقيقي عن المجتمع القبلي المتسم بالتشدد والتدين,فأذا نفت الحركة علاقتها بالاعتداء على الطفلة ملالا ,فأنها لم تنفي اغلاقها لمدارس البنات عندما حكمت افغانستان ولم تنفي تفجيرها تماثيل بوذا ولم تنفي جدعها لأنوف الفتيات الصغيرات التي يتم تزويجهن رغما عنهن.لو كانت هذه المجتمعات كما تقول لما وصلت بنازير بوتو للحكم في باكستان.استشهدت بنهاية مقالتك بالسيدة عائشة وحسنا فعلت ,ولكن استشهادك هذا لا يجب ان تستخلص طالبان منه الرسالة ,بل اوجهه الى مجتمعنا الاردني الذي يأنف ذكر اسم العروس على بطاقات دعوات الزواج ويستبدله بـ (كريمته),فلو كان اسم البنت عورة ,لما وصلنا أسم السيدة عائشة.