هاني البدري

الحكومة تفكر

تم نشره في الخميس 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 02:00 صباحاً

في العالم المتقدم ثمة مؤسسات عامة لا غنى عنها في تسيير أمور الدولة، بل لعلها أهم منظومات العمل داخل المطبخ الحكومي للدولة، هي مؤسسات دعم اتخاذ القرار التي بموجبها تتوصل الحكومة لخلاصة آراء واستشارات نخب من المختصين والخبراء والضالعين في شؤون القطاعات المختلفة، قبل أن تَشرع باتخاذ قرار يمس حياة المواطنين ويومياتهم.
مثل هذه المؤسسات وجدت طريقها إلى بيوت الحكم ومجالس وزراء دول عربية عديدة، وإن لم تعمم بشكل واسع بسبب علة الاستحواذ التي تسيطر على صنع القرار.
ولأن هذا الخط من المؤسسات يبتعد بمكوناته وآليات عمله عن خط المستشارين المعروفين لدنيا بالعشوائية والتخبط والارتباك، فإننا بأمس الحاجة لمؤسسة نخبوية ذات تخصصات رفيعة، لا علاقة لها بآليات التعيين والتشكيل المعتادة للمجالس واللجان، حتى تمهد لقرارات حكومية قابلة للتطبيق بدون إجحاف بحق شرائح واسعة من المواطنين، بحجة مصلحة الوطن العليا أو إنقاذ لموقف حرج.
عندنا لا يكاد يمر يوم حتى نتابع أخباراً على شاكلة؛ "الحكومة تفكر بتسيير المركبات وفقاً لنظام الفردي والزوجي"، و"الحكومة تفكر في طريقة جديدة لمعالجة الأزمة الفلانية"، أو أنها تفكر في رفع الدعم أو تفكر بتقديم دينارين وعشرة قروش للمواطن الفقير".
يبدو أن الحكومة فكرت بلا مقدمات وبدون أن تعلمنا بأنها تفكر، حين قررت تجميد التوقيت الصيفي تحت بند توفير الطاقة والتخفيف من أعباء الفاتورة النفطية على الدولة.
الحكومة تفكر عنا، هكذا تعودنا حين يكون الموضوع على تماس مع يومياتنا ولقمة عيشنا واتساع شوارعنا وقلة نومنا، وتفكر هكذا وحدها، بدون العودة لمراكز دعم صناعة القرار أو استطلاعات رأي شفافة وموضوعية تستبين توجهات الناس وأفكارهم.
وحين نخفق في إقناع المواطن بما فكرت به الحكومة وأقدمت عليه، تطالعنا العناوين المُمسرحة بأن "المواطن الأردني يمارس دلاله الشديد على الحكومة"، أو "كفانا دلع أيها الشعب"، ثم نُمعن في تنفيذ قرارات الحكومة التي هي نتاج التفكير، حتى تكتشف الحكومة نفسها عدم صواب القرار، فتفكر، بالتراجع عن القرار.
أجمل تصريحات ناطق رسمي صدرت منذ مدة أن "الحكومة تفكر بكل الاحتمالات"، وبهذا التصريح الشامل الكامل تتضح الرؤية المتسعة للحكومة حول كافة القضايا والسيناريوهات المرافقة لمعالجتها بدون أن يُسأل مواطنٌ واحد وعبر أية وسيلة حضارية عن أثر هذا الاحتمال على حياته؟!
تبدو بعض الأفكار المطروحة من مواطنين عاديين خبروا طعم الحياة بحلوها ومرها، وعرفوا معنى التعب وساعات الانتظار وتَمَرسوا في بناء ميزانيات منزلية ناجحة بإمكانات محدودة, وعلَموا أجيالاً من الشباب بتقديم الأولويات وحرموا أنفسهم من كل ما أقنعوا أنفسهم بأنه ليس من الأولويات. تبدو أفكار هؤلاء الخبراء بالحياة، أهم من مقترحات المستشارين المُنعمين بطعم واحد للحياة، الذين تعودوا أن يطرحوا مقترحاتهم مصممة على برامج (الباور بوينت)..هي بالفعل أهم.
هنالك أساليب عديدة يمكن للحكومة بها أن تستعيد نفسها وزمام الأمور، لتوفر وتسهل حياة المواطن اليومية، بدون أن تلجأ لأفكار هؤلاء ولعلها بدونهم أيضاً تُسهم في إخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية، وتغلق الطريق على من يتسلل عبر فجوة الغياب الحكومي عن مصالح الناس.
لا مكان اليوم لشعار"لا تفكر.. دع الحكومة تفكر عنك". فقد أثبتت الإخفاقات المتراكمة ومضاعفة المديونية وتجربة غياب الرقابة والشفافية وتفشي روح "ابن الدولة" في مواجهة المواطن العادي، أن هذا المواطن يفكرُ ويضع حلولا أفضل من الحكومة ومستشاريها. ولعل على الحكومة أن تفكر الآن أكثر من أي وقت مضى، أن لا تفصل نفسها عن الشارع وأن لا تقف عاجزة عن جسر الهوة مع مطالب وثقة الناس.
الأمر أبعد بكثير عن مسألة التوقيت الشتوي.. بالمناسبة.

hani.badri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المفروض أستشارة أكبر عدد من أهل الأختصاص والمواطنيين (د. عاصم الشهابي)

    الخميس 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    نعم، على المواطن أن يفكر مع حكومته، وأن يساعد الحكومة باتخاذ القرار المناسب والصحيح في عدد من الإجراءات التي تهم حياة جميع مواطني البلد. ولكن مع الأسف، لم تجري اي حكومة أردنية حتى الآن أي حوار عام مع منظمات المجتمع المدني أو مع أي مجموعة من أهل الخبرة ومن المواطنيين العاديين للتباحث معهم بأي قرار يمس حياة غالبية المواطنيين. وبالتأكيد، هناك أعداد كبيرة من الأردنيين يستطيعون أن يقدموا للحكومة نصائح وخبرات عملية قيمة لحل الكثير من مشاكل البلد الأقتصادية والأجتماعية. ويبقى السؤال متى سنكون مستعددين لمثل هذه الحوارات وخصوصا مع غياب البرلمان.
  • »أردت أن أطرح كل مافي جعبتي (لبنى خليل هي نفسها(وردة الجبل))

    الخميس 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    أعتذر أني دخلت بهذه الصورة (إسمي ولقبي)
    لكني أردت أن أصل فكرتان أولها أننا شعب يؤمن بالحياة ومتفائل إلى حد ما
    وثانيها أني ضد حوار الطرشان أو الأصماء
    والتحيز الخاسر لعشوائية الأمور أو القرارات دون أسس دراسة واعية
    وإستنباطية لها ودائما كلي إحترام
    لحائطكم الكريم (جريدة الغد)
    وللدكتور هاني على هذه المبادرة
    الجديدة والأسلوب المتميز بالطرح
    لبنى خليل
  • »الحكومة تفكر ونحن نفكر معها أيضا (وردة الجبل)

    الخميس 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    نحن لسنا أحجار على رقعة شطرنج
    لندع من يستحوذ كياننا ويفكر عنا بل نحن بشر
    لحم ودم منا من يصيب ومنا من يخطئ
    ولا يعني أن ذالك أن نلغي عقولنا
    ونستعين بخبرات من لا خبرة ولاقدرة
    للتفكير عنا فنحن
    أكرر نصيب ونخطئ وخير الخطاؤون التوابون .
    فل ندع الحكومة تفكر ولنفكر معها أيضا
    ولنمضي على خطى الحسين طيب
    الله ثراه وعلى خطى أبا الحسين
    فيد واحدة لا تصفق بل سنصفق
    مجتمعين لإعادة سن تشريعاتنا وأنظمتنا
    ولنعالج ذاك البتر الذي أوصلتنا إليه
    عشوائية القرارت...
    ولنفكر بسد جميع الثغرات وننقح الغريب منها والذي يتنافى مع مصالحنا كأمة واحدة تمثل وطن آلا وهو الأردن
    حماه الله وأهله
    فإن كانت الحكومة تفكر فنحن ماضون
    إليها لنفكر أيضا ونعزز ديموقراطينا
    التي أصبحت شعارا لا واقع
    (الحكومة تفكر ونحن نفكر أيضا)
    بقلمي البسيط
  • »نحن لسنا أحجار على رقعة شطرنج...! (وردة الجبل)

    الخميس 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    نحن لسنا أحجار على رقعة شطرنج
    لندع من يستحوذ كياننا ويفكر عنا بل نحن بشر
    لحم ودم منا من يصيب ومنا من يخطئ
    ولا يعني أن ذالك أن نلغي عقلونا
    ونستعين بخبرات من لا خبرة ولاقدرة
    للتفكير عنا فنحن أكرر نصيب ونخطئ
    وخير الخطاؤون التوابون
    فل ندع الحكومة تفكر ولنفكر معها أيضا
    ولنمضي على خطى الحسين طيب
    الله ثراه وعلى خطى أبا الحسين
    فيد واحدة لا تسفق بل سنسفق
    مجتمعين لإعادة سن تشريعاتنا وأنظمتنا
    ولنعالج ذاك البتر الذي وأوصلتنا إليه
    عشوائية القرارت...ولنفكر بسد جميع
    الثغرات وننقح الغريب منها والذي يتنافى
    مع مصالحنا كأمة واحدة تمثل وطن
    آلا وهو الأردن حماه الله وأهله
    فإن كانت الحكومة تفكر فنحن ماضون
    إليها لنفكر أيضا ونعزز ديموقراطينا
    التي أصبحت شعارلا واقع
    ‏(الحكومة تفكر ونحن نفكر أيضا)
    بقلمي البسيط
  • »إنقاذ الاقتصاد برفع مستوى المعيشة تدريجياً إلى الضعف (تيسير خرما)

    الخميس 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    الرفع التدريجي القسري لمستوى المعيشة في الأردن بنسبة 20% سنوياً سينقذ الاقتصاد الأردني وينخل ما علق به من طفيليات على مدى 22 سنة منذ عام 1988، ويمكن للحكومة تحفيز ذلك بزيادة الحد الأدنى للأجور بنسبة 20% سنوياً وبالتوازي مع ذلك رفع أسعار مشتقات نفطية وكهرباء ومياه وطحين وخبز بنسبة 10% سنوياً وزيادة الضرائب والرسوم بنسبة 5% سنوياً وفرض العمالة المحلية تدريجياً لكل المهن وتنزيل أعداد العمالة الوافدة بنسبة 15% سنوياً ومنع تحول العامل الوافد إلى متعهد ووضع حد اقصى 4 سنوات لإقامته في الاردن، وتشجيع الصناعات المتطورة بدلاً من الصناعات المتطفلة على الاقتصاد، وجذب أغنياء العالم إلى الأردن الآمن بدلاً من المعوزين، وسيصبح ارتفاع أسعار الطاقة موضوعاً ثانوياً لحكوماتنا وستصبح نوعية النظام الحاكم موضوعاً ثانوياً بالنسبة للشعب، وسنصل للنموذج الاقتصادي الأمني في سويسرا بسرعة خلال 4 سنوات.
  • »saif.lami@yahoo.com (سفيان ابو سيف)

    الخميس 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    مقال اكثر من رائع وطرح عميق من الاستاذ الكاتب والسؤال الكبير من يفكر غن الحكومة حتى تفضي الى هذه القرارات التي تمس المواطن وشؤونه...ولماذا لا يستشار المواطن كما عبر بجمال الاستاذ الاعلامي البدري شكرا
  • »هل بصدق تفكر؟؟؟ (لبنى خليل)

    الخميس 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    عنوان متميز يضم أكثر من معنى
    فهل بصدق الحكومة تفكر ومامدى
    وأسس تفكيره وكيف تفكر أصلا؟؟؟
    هل عملية التفكر بوجه عام عندما تنطلق من العقل البشر تبتدع إيجابيات
    بنتائجها إبتداع ؟ أم الإبداع يكون نتيجة
    منتظرة وهذا هو المنطقي أكثر بإعتقادي‎!
    لكن بوجه الخصوص الحكومة تفكر
    مامدى المنطق بالتناسب بين الحاجات
    الرئيسة للحكومة ومدى حاجة الفرد
    ففي القوانين والمسلمات حناك توازن
    وتناسب بين الحاجات !
    والعشوائية أو الإستقراطية في القرارت
    تمثل برأي عبئا يثقل كاهلي الدولة والمواطن!‏
    فلمتى سنبقى نطلق العنان لقرارت غير مدروسة تربك وتخللخل أواصرنا ثم ‏
    نعود وننفي ونلغي وووو وكأن شيأ لم ‏
    يحدث .؟؟
    فأنا نطبق المثل القائل : (على بال مين
    يالي بترقص بالعتمة)‏‎
    كلي إحترام لصناع القرار وكلي رجاء الرئفة بنا فأصبحنا فوق حد إستيعاب
    قرارتكم.........
    وأنهي بالسلام والإحترام للدكتور هاني البدري الذي طرح هذا الفكر وأدرجه للتداول والنقاش
    بقلمي البسيط
  • »أحجار شطرنج (أحمد علي)

    الخميس 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    ألأمر بالمختصر :
    ألشعب أحجار الشطرنج والحكومه هي اللاعب الوحيد
    وأسفاه على أحجار يحركها لآعب مصارعه