علاء الدين أبو زينة

الديمقراطية الاستبدادية

تم نشره في الخميس 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 02:00 صباحاً

أصبحت "الديمقراطية" اليوم من أكثر المفاهيم التباساً مع تعقد الخبرة البشرية. فمن فكرة "حكم الشعب لنفسه" الإغريقية البسيطة، ولدت تفريعات "الديمقراطية الليبرالية"، و"الديمقراطية العلمانية"، و"الديمقراطية التمثيلية" و"المباشرة"، و"ديمقراطية الشعب"، و"الديمقراطية الإسلامية" التي اقتحمت قسماً من الخطاب الإسلامي، و"الديمقراطية المجتمعية" بوصفها ثقافة.. وهكذا.
وبشكل عام، يستخدم المفهوم ليعني ضدّ الشموليّة والاستبداد والدكتاتورية وما شابه. وهو يعني، بأحد المعاني، المساواتية وحكم القانون والحريات المدنية، وفصل السلطات، والتعددية الحزبية، وإقامة انتخابات. وتحت كل من هذه العناوين، ثمة أدبيات واتجاهات، بحيث يتوه المرء بين التنظير وبين التجليات الواقعية للمفهومات المجردة. وفي الحقيقة، أصبح الجميع لدينا مغرمين بمفردة "الديمقراطية" في خطابهم "الثوري" مؤخراً، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، بحيث أصبحت من أكثر الدلالات نسبية وتفارقاً.
وقد أدخلني في هذه الورطة مع أحجية "الديمقراطية" حوار مع صديق خلال زيارات العيد. وتحدثنا عن الوجهات المحليّة والإقليمية في ظل "الربيع"، وعرّجنا على هذا المفهوم قبل أن نخلص إلى النتيجة المشتركة التي انطلق منها الحوار: التشاؤم مما يجري هنا وفي معظم الأماكن العربية، والاعتقاد بأنّه لن يسفر -في هذه المرحلة على الأقل- عن تغيير تقدّمي يعتدّ به.
وصف صديقي المشهد في دول شقيقة أنجزت "ربيعها" فقال إن الانتخابات التي ينبغي أن تكون في القلب من الفكرة الديمقراطية، دفعت إلى السلطة بقوى غير ديمقراطية، بالتعريف. وسوف تفضي لاديمقراطية هذه القوى إلى حقن المؤسسات الرسمية ومراكز التأثير بفكر أحدي معتقد بأحقيّته، بحيث يلغي "الآخر" أو يُمعن في إضعافه على أقل تقدير. وستحاول هذه القوى تكريس سبل ثبوتها في السلطة، وضمان كسبها الانتخابات التالية بحيث تكرّر تجربة الاستبداد بطريقة أخرى. وقارن صديقي ذلك بخبرة "الديمقراطيات" الغربية في تداول حزبين على السلطة، حيث يحاول كل منهما خلال فترة حكمه تدعيم تواجده في المراكز الحيوية، وإنما بنسبة غير مؤثرة في التحصيل الأخير، بسبب تحكيم المعايير الموضوعية حُكماً وقانوناً، بحيث تظل فرصة كل الأطراف قائمة دائماً.
وفي مداخلتي، تحدّثت عن عقم الحديث عن الديمقراطية في ظل غياب "العقل الديمقراطي". وكرّرت فكرتي عن الخلل البنيوي في الأمل بتغيير ملموس في مرحلة لم يسبقها إعداد طويل وإعادة تأهيل معرفي للعقل الجمعي، بحيث يتقبل أفكار التعددية؛ والتعاطي مع الآخر؛ والرغبة في المشاركة السياسية والقدرة عليها. وهذا الواقع نتاج عقود طويلة من استفراد العقل الاستبدادي والفكر المنغلق بالتأثير والتحكم في التعليم والثقافة والإعلام، فوجد الليبراليون المغرّبون أنفسهم فجأة أمام استحقاق لم يُتح لهم الاستعداد له، والذي وضعهم أمام خيارين: الاستنكاف؛ أو المشاركة في تزويق ديمقراطية زائفة تفضي في أحسن الأحوال إلى "تفويز" القوى غير الديمقراطية نفسها.
وفي الخلاصة، وضعت في رأس صفحتي العنوان الذي خطر لي ليلخص فكرتي "الديمقراطية الاستبدادية". ثم قررت تفقد المصطلح المنطوي –ظاهرياً- على مصادرة، فاكتشفت أنني لم أبتكر هذا التعبير، وقرأت أن "الديمقراطية الشمولية: (هي) تعبير يدل على نظام سياسي ينطوي على إجراء انتخابات شعبية، وحق المواطنين في التصويت، لكنّ الشعب نفسه لا يملك أي سلطة دستورية تسمح له بالمساهمة في صنع القرارات الحكومية. وقد استعمل العبارة "برتراند دوجوفينال" و"هـ. كار"، إلا أنها اشتهرت في كتابات المؤرخ الإسرائيلي جيه. إل. تالمون".
لا فرق، فالتعريف يبدو مألوفاً. على المستوى المحلّي، أجرى الأردن انتخابات نيابية (وبلدية) بشكل متكرّر. وإذا كان يمكن اختزال مفهوم الديمقراطية في إجراء انتخابات، فإنّه يمكن الزعم بأن لنا تجربة ديمقراطية. لكنّنا إذا طرحنا السؤال الأساسي والبسيط على أيّ مواطن عادي: هل أشعرتك "الديمقراطية" هنا بأنّ لك أيّ حصّة في صناعة القرار السياسي أو الاقتصادي، وهل تشعر بأنك تشارك -بأيّ شكل- في تحديد أقدارك ووجهاتك ومستقبلك؟ فإن الجواب سيكون معروفاً ومتطابقاً إلى أقصى الحدود.
ولذلك، نشأ "الحراك" الأردني من عمق الإحساس بالعيب "الديمقراطي" في التجربة المحلية. وضغط المواطنون واحتجوا وكسبوا، كما يفترض، إصلاحات ديمقراطية أساسية. ولكن، وسواء بمشاركة كل البدائل المألوفة أو باستنكاف بعضها: هل ستبعدنا المعطيات المنظورة، ولو خطوة، عن "الديمقراطية الاستبدادية"؟ وهل بذل أحد أي جهد لتشجيع بديل؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلما زاد مستوى الوعي الحضاري كلما تعمقت الديمقراطية . (نضال طعامنه)

    الخميس 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    أعتفد أن الديمقراطية لا تصلح لشعب غير واعي أو متخلف ؛ لكن إلى حين ؛ لأن الديمقراطيةوالوعي يكمل ويعمق كل منهما الأخر , ذلك أن الديمقراطية إحدى أدوات زيادة وتعميق الوعي لدى الشعب وهي لا شك حصانةوحماية للمجتمع والدولة من نتائج كارثية إذا كان رئيس الدولة مطلق اليدين في اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالحرب والسلام , وكمثال على ذلك نورد مثال على قرارين إتخذهما رئيسين لدولتين عربيتين كبيرتين هما مصر والعراق . الأول قرار يتعلق بالسلم ؛ لكنَّ نتائج هذا القرار كانت أخطر من أي حرب , لا بل ولد هذا القرار مزيداً من الحروب . إنه قرار السادات توقيع إتفاقية كامب ديفد مع الكيان الصهيوني النازي عام 1979 / . والقرار الثاني للرئيس العراقي صدام حسين بدخول الكويت , والذي ما زالت نتائج وتداعيات هذا القرار تتفاعل إلى اليوم , لا على الشعب العراقي وحده بل على الأمة العربية بأكملها .هذين المثالين يوضضحان نتائج غياب الديمقراطية عربياً . ولكن للمقارنة بأهمية حضور الديمقراطية نورد مثال لا من دولة غربية بعيدة ًعنا بل نورد مثال لدولة إسلامية وقريبةً منا ,إنها تركيا , وكيف كان لحضور الديمقراطية وحضور مجلس النواب الديمقراطي الحقيقي ـ لا كمجالسنا الشكلية ـ كيف كانت الديمقراطية وهذا المجلس مانعاً من إنزلاق القادة الأتراك للإنخراط في حروب الغير ونقصد طبعاً حرب أمريكا على العراق ، عندما منع مجلس النواب التركي الحكومة من السماح للطائرات الأمريكية باستخدام قاعدة أنجيرلك التركية لضرب العراق عام 2003 / في حين تعاونت عدة دول عربية وفتحت أراضيها للقوات الأمريكية ,متجاوزةً دور وحق الشعب ـ في رفض ذلك ـ ودون حسيب أو رقيب من قبل هذه البرلمانات , لا بل ذهب الأمر عندنا إلى مطمطة الإستحقاق الإنتخابي أكثر من سنتين وبدل أن تجرى الإنتخابات النيابة عام 2000 / تم إجرائها عام 2003 / إلى مابعد الغزو الأمريكي للعراق . ربما يكون ما يسمى ب " الربيع العربي " وهي التسمية التي لا أحبذ استخدامه ـ لأنها من صياغة الدوائر الإستعمارية في الخارجية البريطانية والأمريكية ـ ربما تكون هذه الصحوات أو الثورات العربية بارقة أمل تاريخية متاحة للجم الإستبداد والفساد والتخلف الذي فرضته بعض الأنظمة العربية على شعوبها المنكوبة بممثل هؤلاء الحكام كالقذافي ومبارك وبن علي . لا بل نعتقد أن هذه الثورات مقدمةطبيعية ومنطقية لمشروع النهضة والحداثة للدولة العربية الإسلامية والديمقراطية اليوم ؛كما أنها مقدمة وبداية النهاية للمشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة , هذا وإن طال هذا الأمر قليلاً لحين استقرار إرتدادات الزلزال السياسي الذي ضرب الوطن العربي من تونس الخضراء عندما أشعل بو عزيزي روحه لينير الظلمة التي تسبب بها حكام كبن علي وصحبه ؛ هذا ومن المفارقات ّذات الدلالة البالغة والتي ينبغي ذكرها أنه في الفترة التي كان بن علي يمدد رئاسته لفترة خامسة حوالي عام 2005 / كانت قبائل الهوتو والتوتسي في رواندا تنعم بالديمقراطية عام 2003 / وهي الدولة الأفريقية التي عرفت حرباً أهلية وإبادة بين هاتين القبيلتين والتي أودت بحياة ما يقارب مليون شخص عام 1996 / فكم نحن كنا متخلفين ومتأخرين ! لذا كان طبيعي ومنطقي أن يضرب زلزال صحوة الشعب العربي الوطن العربي ؛ لأن شدة الضغط يولد الأنفجار والحمد لله أنه كان إنفجاراً سلمياً ومدنياً كما هو في غير دولةٍعربية وعلى رأسها الأردن للوعي المشترك بين الشعب والقيادة والثقة المتبادلة بينهما .
  • »العقل الديموقراطي (د. سامي)

    الخميس 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    مقال رائع أستاذ علاء، وأؤيد وجهة نظرك في أن قيم الحرية والديموقراطية وتداول السلطة وحق الاختلاف ، هي قيم ثقافية تترسخ في عقل ووجدان الشعوب، ولذلك فإن الحراكات ومنظمات المعارضة وغيرها لن تستطيع أن تقدم البدائل فهي جزء من هذا الشعب ولم يظهر منها حتى الآن ما يفيد بغير هذا الفكر الشمولي الأحادي النظرة محتكر الحقيقة والمؤمن بشعار من "ليس معنا فهو ضدنا". وأحيي فيك قوة الأمل فيما ليس يؤتمل !